فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 86

وكان عمر بن عبد العزيز يقول:"ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لانهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا، كان في الأمر سعة".

وكذلك قال غير مالك من الأئمة:"ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه".

ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره؛ إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه.

ونظائر هذه المسائل كثيرة؛ مثل تنازع الناس في بيع الباقلا الأخضر في قشرته، وفي بيع المقاثي جملةً واحدةً، وبيع المعاطاة والسلم الحال، واستعمال الماء الكثير بعد وقوع النجاسة فيه إذا لم تغيره، والتوضؤ من مس الذكر والنساء، وخروج النجاسات من غير السبيلين والقهقهة وترك الوضوء من ذلك، والقراءة بالبسملة سرا أو جهرًا وترك ذلك، وتنجيس بول ما يؤكل لحمه وروثه أو القول بطهارة ذلك، وبيع الأعيان الغائبة بالصفة وترك ذلك، والتيمم بضربة أو ضربتين إلى الكوعين أو المرفقين والتيمم لكل صلاة أو لوقت كل صلاة أو الاكتفاء بتيمم واحد، وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض أو المنع من قبول شهادتهم) [مجموع الفتاوى: 30/ 79 - 81] .

كما أن الإسلام لا يعاقب على الخطأ في غير المسائل الجليلة والمحكمات، ما دام المخطئ متأولا، ولهذا أقر عبر عصور الإسلام، الخلاف بين المذاهب الفقهية، في مسائل لا تحصى، وكثير منها الخطأ فيها واضح، لمخالفته النص، غير أنه لما كان ذلك في مسائل الفروع العملية، أو في مسائل دقيقة؛ يعذر فيها المخطئ بتأويل، فقد أقر فيها تعدد الآراء، واختلاف المذاهب.

وكذا إن أريد بالتعددية، التعددية السياسية المحضة، أعني التي هي سياسة مصالح الأمة في هدى الشريعة، كالأخذ بنظام سياسي يسمح بتداول السلطة بين أحزاب، في نظام سياسي قائم على الشرع، فتكون الأحزاب المتعددة تطرح حلولا للمشكلات الحياتية، لا يخرج كل حزب منها، عن الالتزام بأحكام الشريعة، في نظام الخلافة الإسلامية، بما يشبه ما كان يطلق عليه"وزارة التفويض".

فهذا غاية ما يمكن أن يقال فيه؛ إنه مشروع في الجملة، إن احتيج إليه كان بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت