لكنهم لا يفطنون إلى أن فراعنة العصر الحديث يسيرون على نفس درب سلفهم الأكبر، وأن كلمة فرعون هي عينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح، كما يذكر الأستاذ سيد قطب رحمه الله: (إنه منطق واحد يتكرر كلما التقى الحق والباطل، والإيمان والكفر، والصلاح والطغيان، على توالي الزمان واختلاف المكان، والقصة قديمة مكررة، تعرض بين الحين والحين) [الظلال: 5/ 3078] .
كما أنه نفس منطق فرعون في حمل الناس على رأيه وقسرهم عليه بدعوى أنه أعرف منهم بما يصلح لهم {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} [غافر: 29] .
فهو القيم على عقول العباد، وكل ما يختاره لهم هو الرشد والصواب،"وهل يرى الطغاة إلا الرشد والخير والصواب؟! وهل يسمحون بأن يظن أحد أنهم قد يخطئون؟! وهل يجوز لأحد أن يرى إلى جوار رأيهم رأيًا؟! وإلا فلم كانوا طغاة؟!" [الظلال: 5/ 3080] .
ربما كان الفارق الوحيد بين فرعون القديم، وأحفاده الفراعنة الجدد أن فرعون القديم كان شديدًا على قومه وعلى أعدائه خارج البلاد في نفس الوقت، أما هؤلاء فإنهم بالقدر الذي يذيقون مخالفيهم من بني جلدتهم العذاب ألوانًا، فإنهم كالحملان الوديعة مع أعداء الأمة من اليهود والأمريكان.
بل لم يكن الدكتور محمد عباس مبالغًا حين ذكر - في مقال له بجريدة الشعب المصرية - أن مهمة حكامنا التي جيء بهم من أجلها، ويقومون بها خير قيام هي حماية"إسرائيل".
وفي الوقت الذي يلهث فيه حكامنا وراء سراب سلام ذليل مع دولة العدو، نراهم يرفضون منطق الحوار مع مخالفيهم من بني جلدتهم، إلا إذا كان على الطريقة التي يمارسها معهم بوش وشارون.
وخذ مثالًا على ذلك؛ ما كان يحدث من مواجهات بين الشرطة وبعض الفصائل الإسلامية في مرحلة التسعينات وكيف أن النظام كان يصم آذانه عن كل محاولة لوقف مثل هذه المواجهات مع أنه كان يتدخل في