الصفحة 83 من 91

أما من يرون في هاشم الرفاعي شاعرًا إسلاميًا معبرًا عن هموم الحركة الإسلامية معارضًا لثورة يوليو، فلا شك أنهم يعتمدون على ما سلفت الإشارة إليه من القصائد التي تنتقد جمال عبد الناصر ومن معه، كما يعتمدون على الحس الإسلامي الذي يظهر في كثير من قصائد الشاعر، وفي ذلك يقول الأستاذ مجدي الشهاوي:(وللذين يحلو لهم دائمًا أن يرددوا أن هاشم الرفاعي كان صوتًا من أصوات الثورة، ولسانًا من ألسنة جمال عبد الناصر، لهؤلاء نقول؛ لقد قدمنا للمكتبة العربية بعون الله تبارك وتعالى وتوفيقه الديوان الممنوع: جراح مصر - القصائد العشر - للشاعر رحمه الله، وهذه القصائد من أفضل وأجمل وأصدق ما كتبه الشاعر من شعر المعاناة، والتي تتناول حكم الثورة ورجالها، وأقرءوا معي قوله لعبد الناصر:

للعنت يا فرعون في القرآن) (16) . ... لو كان عهدك قبل عهد محمد

كما استدل الشهاوي في موضع آخر برسالة الشاعر التي أرسلها إلى"مجلة الدعوة"بعد مقتل الاستاذ البنا رحمه الله والتي سبقت الإشارة إليها (17) .

ويرى أصحاب هذا الرأي أن ما قاله الشاعر في مدح الثورة وقادتها، إنما قاله من باب التقية، أو نتيجة انبهار شديد بما كان سائدًا آنذاك في أجهزة الإعلام وغيرها حول عبد الناصر ورفاقه.

ومن ذلك قول الدكتور جابر قميحة أستاذ الأدب العربي بجامعة عين شمس: (ظلت الساحة الأدبية تتلقى لأكثر من عشرين عامًا نتاج الشاعر المبدع هاشم الرفاعي على أنه شاعر الثورة، وذلك اعتمادًا على أبيات باردة يعرف القاصي والداني أنه نظمها تقية، وبعضها وقع فيه هاشم تحت هالة الإبهار الزاحف بقوة في حينه، أما شعره الحقيقي الذي يمثل موقفه الحقيقي من الثورة والثوار فلم ينشر، ولما نشر بعضه الآن انقلب السحر على الساحر، وقد توافر الآن من الإبداع الصادق لهاشم أكثر من 35 قصيدة لعل أشهرها رسالة في ليلة التنفيذ، وهي لا تحتاج إلى ناقد ومتخصص ليقرأها، وليحكم من خلال كل كلمة فيها على هوية الرفاعي الحقيقية وهي الإسلام الواضح الصحيح في أسمى صوره، وأرقى وأزهى مواقفه التعبيرية والإبداعية) (18) .

خامسًا: إذن ما حقيقة الموقف الفكري للشاعر؟

لا شك - بعد ما رأينا من نقد هاشم رفاعي للثورة ورجالها - أنه لا وجه الآن لاختزال شعر هاشم الرفاعي في كونه شاعر الثورة، أو أنه أحد دعاة القومية العربية أو الوطنية المصرية، لكنا في نفس الوقت نرى أن الاكتفاء بقصائده الإسلامية وغض الطرف عما أوردنا من تمجيده للثورة ورجالها، هو مسلك غير سديد.

والقول بأن مدحه للثورة ورجالها كان من باب التقية، هو قول لا دليل عليه، والأصل مسؤولية الإنسان عما يقوله حتى يثبت بالدليل القطعي أنه إنما كان يقول ذلك عن غير اقتناع، ثم إننا نعلم أن التقية تكون حينما يجد الإنسان نفسه تحت ضغط وتهديد شديدين يجبرانه على القول بما لا يعتقد، ونحن لا نعلم من سيرة هاشم الرفاعي أنه تعرض لشيء من ذلك، وهب أنه كان هناك ما يحمله على الخوف من بطش الحاكم الظالم، أفما كان يمكنه إيثار السلامة بالسكوت عنه فلا يمدحه ولا يذمه؟

أما ما ذكره الدكتور جابر قميحة من أن الشاعر قد وقع تحت هالة الإبهار الزاحف وقتها فإنا نراه استنتاجًا صحيحًا، لكنا لا نوافق - كما سيأتي - على أن هذا الإبهار كان مجرد عارض وقتي صرف الشاعر ظاهريًا عن فكر حقيقي كان مستقرًا عنده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت