فهرس الكتاب
كما أننا لا نوافق شقيق الشاعر في ما ذهب إليه من أن الشاعر كانت له رؤيته المستقلة بحيث كان يؤيد الثورة وينتقدها، ويؤيد التيار الإسلامي وينتقده أيضًا على حسب رؤيته الشخصية؛ وذلك أن هذا الكلام قد يصح حين يكون النقد أو المديح متعلقًا بموقف معين يريد الشاعر إبداء الرأي فيه، بينما الواضح من الأمثلة التي ذكرناها - وغيرها في ديوانه كثير - أنه كان غالبًا ما يمدح مدحًا عامًا، وينتقد نقدًا عامًا، فإذا نقد عبد الناصر مثلًا فهو فرعون مستحقٌ أن يلعن، وإذا مدحه فهو الزعيم الذي أحيا الله به الشعوب العربية كلها، وهذا ما يُستبَعد معه وجود رؤية مستقلة ناضجة لدى الشاعر رحمه الله.
والذي نراه أن هاشمًا الرفاعي - وقد توفي في الرابعة والعشرين من عمره - فإنه ظل طيلة عمره الأدبي القصير شابًا صغيرًا، قوي العاطفة سهل التأثر بما يراه ويسمعه، فربما رأى موقفًا فتأثر به، ثم رأى نقيضه فتأثر به أيضًا، ولا شك أنه يدخل في ذلك ما أحاطه به بعض رجال النظام المصري من التقديم والتكريم على صغر سنه، وهو ما دفعه للانبهار برجال الثورة وغض الطرف عن أخطائهم، ولذلك نظنه كان - والله أعلم - صادقًا مع نفسه رغم تناقضات شعره التي أشرنا إليها، فهو في كل لحظة يعبر عن مكنونات نفسه وما يدور بخلده، دون أن تتكون لديه رؤية مستقلة تنبع منها آراؤه ومواقفه.
كما أن الظاهر من حال الشاعر أنه لم تتبلور في ذهنه الفروق الجوهرية بين الدعوة للوطنية أو القومية وبين الدعوة الإسلامية الحقة التي لا ترضى بغير القرآن والسنة دستورًا للحياة، وهذا يعني في نظرنا أنه لم يكن يقصد بأشعاره أن يكون منتميًا لهذا الاتجاه أو ذاك، وإنما كان همه التعبير عما يجول بخاطره في ضوء ما يتأثر به من الوقائع والأحداث.
وعلى ذلك نقول إنه ليس من الصواب القول بأن طائفة من شعره تمثل موقفًا حقيقيًا ثابتًا له، لا قصائده في مدح الثورة، ولا قصائده في نقدها، وقل مثل ذلك في مواقفه من الإخوان وغيرهم.
سادسًا: استدلالات وتوضيحات:
مما يسهم في توضيح هذه الرؤية التي وصلنا إليها ما يأتي:
1)أنه بمراجعة ديوان الشاعر في طبعته التي حققها شقيقه نلاحظ أن قصائده التي يمدح فيها الثورة أكثر من الناحية العددية من تلك التي ينتقد فيها الثورة، كما أن أكثرها جاء في المرحلة الأخيرة من حياة الشاعر، حتى إن آخر قصيدة وجدت على مكتبه، ولم تكتمل كانت قصيدة كتبها ليحييِّ بها ثورة يوليو في ذكراها السابعة، ونعني بذلك أنه إن كان لا بد من ترجيح لأحد موقفيه فالأصل أن المتأخر ناسخ للمتقدم، ولكن إحسان الظن بالشاعر وما ظهر من مواقفه الإسلامية حتى في ثنايا قصائده المتأخرة، وكونه لم يؤثر عنه أنه تراجع عن شيء مما كتبه في نقد الثورة، كل ذلك يحملنا على عدم إهمال الجانب الآخر من شعره، كما يحملنا على القول بأن مدائحه للثورة لم تكن من قبيل التبني لكل أفكارها ورفض ما عداها.
2)أنه بمراجعة تاريخ كتابة القصائد التي وجه فيها نقده اللاذع للثورة ورجالها، نجد أن غالبيتها قد كتب في العام الدراسي 1954 - 1955م، وهو العام الذي شهد فصله مع مجموعة من زملائه من معهد الزقازيق الديني بسبب تنظيمهم مؤتمرًا قرروا فيه الإضراب عن الدراسة حتى يستجاب لمطالبهم بعدم تقليص العلوم الشرعية واللغوية بالأزهر (19) ، والمقصود هنا أن نربط بين الحالة النفسية التي كان يعيشها الشاعر خلال فترة فصله من المعهد وبين نقده للثورة ورجال الحكم، وهو ما نستنتج منه أن عداءه للثورة لم يكن عداءً مستحكمًا مبنيًا على اختلاف فكري بقدر ما كان مبنيًا على انفعالات وقتية