الصفحة 85 من 91

وتأثرات عاطفية.

3)أنه مما يوضح ما ذكرناه من عدم تبلور الفروق الجوهرية بين الدعوات الوطنية أو القومية وبين الدعوة الإسلامية لدى الشاعر، أن نعلم أن ذلك كان حال الكثيرين في مصر في تلك الفترة، وأن الدعوة إلى الفكرة القومية باعتبارها بديلًا عن الفكرة الإسلامية لم تكن منتشرة في مصر كانتشارها في بلاد الشام والعراق، على يدي أصحاب حزب البعث، الذين قال قائلهم:

وبالعروبة دينًا ما له ثاني ... آمنت بالبعث ربًا لا شريك له

أو كما قال الآخر:

وأهلًا وسهلًا بعده بجهنم ... سلام على كفر يوحد بيننا

ولذلك ذكر أكرم الحوراني - أحد قادة حزب البعث السوري - في مذكراته أنه التقى بكمال الدين حسين وقت التحضير للوحدة المصرية السورية، وأنه فوجئ بكمال الدين حسين ينتقد بشدة فكرة القومية العربية ويعتبرها مخالفة للإسلام، وتعجب الحوراني من تهجم رجل جاء ليشارك في مباحثات الوحدة على مفهوم القومية العربية.

وفي رأيي أن انتقاد كمال الدين حسين للقومية العربية لم يكن موجها لفكرة العروبة والوحدة العربية، وإنما كان نقدًا لفكرة القومية العربية باعتبارها بديلًا عن الإسلام بالصورة التي أشرنا إليها قبل قليل.

4)وما دمنا قد أتينا على ذكر كمال الدين حسين، فإنه لا بد من العودة مرة أخرى إلى العلاقة الخاصة التي جمعت بينه وبين شاعرنا هاشم الرفاعي، فإننا نظن أن اتصاله بكمال الدين حسين وتأثره به قد يفسر جانبًا من هذا التناقض الذي لمسناه في شعره، وذلك أن كمال الدين حسين رغم كونه واحدًا من قادة ثورة يوليو إلا أنه كان يتمتع باستقلالية في التفكير، وقد اختلف مع عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، ثم مع السادات بعد توليه رئاسة الجمهورية، ومن أهم ما يشار إليه في هذا المجال محاولته تقريب الأفكار التي كانت تنادي بها الثورة إلى أحكام الشريعة الإسلامية، وقد ذكر عبد اللطيف البغدادي في مذكراته أن كمال الدين حسين قال لعبد الناصر ذات مرة: (إن اشتراكيتنا يجب أن تنبع من ديننا، وليس من نظريات ماركس ولينين) .

وكذلك كان لكمال الدين حسين موقف مشهود إبان محنة الإخوان المسلمين في سنة 1965م؛ حيث أبدى تعاطفًا كبيرًا معهم، وأرسل لعبد الناصر خطابًا شديد اللهجة يقول له فيه: (اتق الله) ، ويستنكر فيه ما وقع على الإخوان من التعذيب الرهيب، ولذلك اتهمه عبد الحكيم عامر بأنه كان يدافع عن سيد قطب ويقتني كتبه، وقد أقر كمال الدين حسين في أحد الحوارات الصحفية بإعجابه بكتاب معالم في الطريق للأستاذ سيد قطب رحمه الله مع عدم موافقته على بعض آرائه، وأنه قد أهدى نسخًا من هذا الكتاب لبعض أصدقائه (20) .

كما أنه بعد مقتل الرئيس السابق أنور السادات والحكم بالإعدام على الأخ خالد الإسلامبولي ورفاقه، فإنه - أي كمال الدين حسين - أرسل هو والأستاذ فتحي رضوان رسالة للرئيس المصري حسني مبارك يطالبانه فيها بالعفو عن أولئك الشباب، على أساس أنه لم يكن بينهم وبين السادات خصومة شخصية، وإنما كانت غايتهم تحقيق العقيدة، التي ملأت نفوسهم من جميع أقطارها، وأن سيرة الرئيس السابق في الحكم، وتعطيله للحريات، وإهانته المستمرة للشيوخ والعلماء، هو ما دفع أولئك الشباب للقيام بما قاموا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت