الصفحة 90 من 91

وأخيرًا انتهى الحال بشيخ الأزهر إلى أن يستشيط غضبًا إذا وُجِّه إليه سؤال يشم منه رائحة الاعتراض على أمريكا وسياساتها؛ فحين سألته صحفية من جريدة الأسبوع القاهرية في حوار نشر بتاريخ (12/ 11/1424هـ - 5/ 1/2004) عن كون أمريكا تتربص بالإسلام، وأن هناك حربًا دينية ضدنا قال: (( نحن لا نتعرض لحرب دينية إطلاقًا، كونك أنت بتقولي إن أمريكا متربصة بالإسلام فهذا رأيك، ولكن بالنسبة لي أنا أقول: أبدًا ليس هناك من يتربص بنا؛ لأني لا أسمح لأحد أن يتدخل في شئوني، وعليه فلا يمكن القول إننا نتعرض لحرب دينية ) ).

ولما استدلت الصحفية على هذا التربص بوجود نحو ستمئة وستين مسلمًا في معتقل جوانتانامو في ظروف بالغة القسوة، ومعاملة غير آدمية، قال: (( لا علم لي بما تقولينه الآن، ولكنك إن جئت وقلت إن هذا هو الحادث، وإن العالم يري هذا ويردده، فإني أقول إن أي عمل يقع من إنسان علي إنسان، ويكون في هذا العمل ظلم وجور وافتئات، فعندئذ يكون هذا باطلًا باطلًا باطلًا، سواء أكان اللي بيعمله أمريكي أو فرنسي أو مسلم، أي أنني هنا أتحدث عن العمل في ذاته وليس لي مصلحة بالأسماء ) ).

وحينما سألته الصحفية عن ما فعلته أمريكا من إظهار صدام بتلك الصورة المزرية التي ظهر بها بعد اعتقاله، بينما كانت قد احتجت في أول الحرب علي عرض صورة أسيرين أمريكيين علي شاشة التليفزيون في العراق، رد عليها: (( أنت ماسكالي أمريكا ليه؟! متقوليش أمريكا .. أنت تقولي من يفعل كذا وكذا ما هو حكمه؟ ) ).

إن إصرار الشيخ طنطاوي على قوله في هذه القضية، وتأكيده أكثر من مرة على فتواه السالفة الذكر لهو دليل على أن الأمر ليس مجرد هفوة أو زلة لسان، فلو كان الرجل قد زل لسانه بتلك المقولة في موقف أُحرج فيه، فإنه كان يمكنه محاولة إصلاح هذا الذي بدر منه في موقف تالٍ، أو على الأقل كان يمكنه أن يلتزم الصمت فلعل البعض يلتمس له عذرًا، أو يحاول أن يجد لقوله محملًا حسنًا يحمله عليه، ولكنه راح كما أشرنا يكرر قوله ذاك، ويدافع عنه في العديد من أحاديثه وحواراته، ومن ذلك ما نشرته له جريدة الأسبوع القاهرية بتاريخ (5/ 2002) ، وما نشرته الشرق الأوسط اللندنية بتاريخ (12/ 1/2004) .

بل إنه راح يتفوه بعبارات غير لائقة في وجه من يظهرون اعتراضًا - ولو مهذبًا - على موقفه المشار إليه، ومن ذلك إهانته لإحدى الصحافيات - بحسب ما نشر في جريدة الحياة بتاريخ (16/ 1/2004) - لمجرد أنها سألته:"ألا تخشى أن يترجم بعض السيدات فتواك بطريقة خاطئة، ويخلعن الحجاب إذا سافرن من بلادهن إلى إحدى الدول الأوربية؟ حيث أمطرها بوابل من السباب من عينة:"أنتِ مش متربية وقليلة الأدب"و"أنتِ أبوكِ ما رباكيش"و"يلعن أبوكِ"."

ومن كان هذا شأنه لا يصح أن يقال بخصوص ما بدر منه: إنه مجرد اجتهاد لم يحالفه فيه التوفيق، كما أرى - بحسب ما يظهر لنا من حاله والله أعلم - أنه لا تجدي معه محاولات الاستمالة بالقول اللين للرجوع عما هو منساق إليه، وإن لي فوق الشواهد العامة على ذلك موقفًا شخصيًا أستسمح القراء الكرام في أن أشير إليه إشارة موجزة، وذلك أنه كان إبان تقلده لمنصب الإفتاء قد كُلِّف من قبل أجهزة الدولة بعقد مناظرات مع بعض الدعاة وطلبة العلم بقصد الترويج لسياسات الحكومة، وإثناء الشباب عن أفكارهم المعارضة للنظام.

وقد كان من قدر العبد الفقير كاتب هذه السطور أن شارك في إحدى تلك المناظرات، وأذكر يومها أنني استهللت كلامي بأبيات من قصيدة لشوقي في مدح الأزهر كان مطلعها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت