فهرس الكتاب
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة) رواه الترمذي.
ومع هذه النصوص القطعية في الأمر بالجهاد في سبيل الله يخرج علينا أقوام يزعمون أن هذا الوقت لا يصلح فيه تطبيق مثل تلك النصوص، ويرون الاكتفاء بالدعوة إلى الله عن طريق حلقات العلم وإقامة المناشط الدعوية ظنا ً منهم أن هذا الوقت أشبه ما يكون بالزمن المكي، بل يرون أن هذا العمل هو الجهاد الحقيقي الذي يجب على كافة المصلحين أن يهتموا به غاية الاهتمام ... إلى غير ذلك من التوهمات التي لا تمت إلى الدين بصلة، حيث أن التربية لا تكون بدون الجهاد، فقد ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على ذلك في وقت وجيز ثم أمرهم بحمل الرايات لقتال العدو.
ولست أختلف مع هؤلاء في أن الدعوة إلى الله من الجهاد، إلا أن مسلكهم هذا يجب أن يكون مطابقا ً للعهد المكي، حيث أن دعوته صلى الله عليه وسلم قائمة بين الكفار وعبدة الأصنام، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يعيش بين المسلمين كما هي حالنا اليوم، ولهذا وجب على العلماء والدعاة من المصلحين أن يجمعوا بين الأمرين الدعوة والجهاد.
وأما ما يستدل به هؤلاء على طريقتهم تلك فإنما هو مجرد اجتهاد غير مبني على أصل شرعي، وقد يعتقد بعضهم أن ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حينما رجع من عزوة تبوك: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) يدل على وجوب الدعوة إلى الله، وأنها أهم من الجهاد بالسيف، مع أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال عنه ابن تيمية رحمه الله: (وأما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في غزوة تبوك:"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، فلا أصل له ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وجهاد الكفار من أعظم الأعمال بل هو من أفضل ما تطوع به الإنسان) أهـ.
ولا يشك عاقل أن جهاد النفس وتربيتها على الإيمان أنه من أعظم مقومات النصر، إذ أن الهزيمة سببها الوقوع في المعصية لكن ليس معنى ذلك أن يترك الجهاد لهذه الحجة.
قال ابن القيم رحمه الله على قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ... } : (علق سبحانه الهداية بالجهاد فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادا ً، وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل به من