وتأمل الأحاديث المذكورة قريبا ً يتبين لك ما توعد الله به الناكصين والمتخاذلين عنه، فضلا ً أن يتربصوا بأهلة الدوائر ويصفونهم بالأوصاف الشنيعة.
ومما ورد في هذا المعنى أيضا ً ما ذكر عن أبي بكر رضي الله عنه لما خطب الناس بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بعام، فقام وقد خنقته العبرة فقال: (أيها الناس إني سمعت رسول الله عام أول في هذا الشهر على هذا المنبر وهو يقول: ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا أذلهم الله، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا عمهم الله بعقاب) .
وروى الطبراني بإسناد حسن باختصار ولفظه: (ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب) .
وخرج ابن عساكر بإسناده عن مجالد عن الشعبي قال: لما بويع أبو بكر الصديق صعد المنبر ... فذكر الحديث، وقال فيه: (لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالفقر) .
وعن على رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجهاد في الله باب من أبواب الجنة، ومن ترك الجهاد في سبيل الله البسه الله الذلة وشمله البلاء وديث بالصغار وسيم الخسف ومنع النصف) .
ولعلي أختم هذه الرسالة بتنبيهين مهمين:
الأول؛ الاستشهاد في سبيل الله: وهذه منقبة عظيمة خص الله بها عبادة المؤمنين على تفاوت في درجاتهم.
إلا أنه قد خرج قوم يتلاعبون بما اختص الله بعلمه وأوحاه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حيث جعلوا الشهادة كلمة مبتذلة يصفون بها كل من شاءوا حسب أهوائهم وكأنهم يستدركون على النبي صلى الله عليه وسلم ما فاته من ذلك، وهم يعلمون أنهم كاذبون فيما يدعونه، إذ أن الشهادة إنما هي تزكية الميت وهم يزكون بها من لا يستحقها، فمن مات وهو يغني فهو"شهيد الفن"، ومن مات في خدمة وطنه فهو"شهيد الوطن"، ولم يتوقف الأمر على ذلك حتى زعموا أن كل من هلك ممن تربطهم معه مصلحه فهو"شهيد"ولو كان ملحدا ً أو رافضيا ً أو فاسقا ً ممن يموت أثناء اللعب وغيره.
فتوزيع الشهادة ليس إلى أحد من الناس، إنما يرجع في ذلك إلى من شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بها، فعلى من يفعل هذا أن يتقى الله وليحذر من مشابهه"الباباوات"الذين يوزعون صكوك الغفران، قاتلهم الله أنى يؤفكون.