الصفحة 37 من 93

يقول ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين 2/ 177: وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين، وخيارهم المتحزن المتلمظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل وجد واجتهد واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه، وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون وهو موت القلوب، فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل، وقد ذكر الإمام أحمد وغيره أثرا: أن الله سبحانه أوحى إلى ملك من الملائكة أن اخسف بقرية كذا وكذا فقال: يا رب كيف وفيهم فلان العابد؟ فقال به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه فيّ يوما قط .. ا. هـ.

لقد بوب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله على ذلك بابا سماه: باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا، مستدلا بقوله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فاحذر هداك الله من أن تقع في هذه المصيبة العظيمة التي قد تكون سببا في هلاكك وخسارتك في دنياك وأخراك.

وأذكرك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل تعلم العلم فأوتي به فعرفه نعمته فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم وعلمته، قال كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. رواه مسلم. نسأل الله لنا ولك العافية والإخلاص في القول والعمل.

وينبغي لك أن تعلم حال أسلافك من هذه الأمة الذين عرفوا قدر العلم فعظموه غاية التعظيم، وتحلوا به في جميع شئونهم، وهاك طرفا من أقوالهم تذكرة للناسي وتنبيها للغافل:

فعن سفيان بن عيينة رحمه الله قال: قالت أم طلق لابنها طلق: ما أحسن صوتك بالقرآن فليته لا يكون عليك وبالا يوم القيامة، فبكى حتى غشي عليه ا. هـ. وقالت ابنة أم حسان الأسدية لسفيان الثوري رحمه الله: يا سفيان: كفى بالمرء جهلا أن يُعْجَب بعلمه ا. هـ قيل للإمام أحمد رحمه الله: إن ابن المبارك قيل له: كيف يعرف العالم الصادق؟ فقال: الذي يزهد في الدنيا ويقبل على أمر الآخرة، فقال أحمد: نعم هكذا ينبغي أن يكون. وكان أحمد ينكر على أهل العلم حب الدنيا والحرص عليها. قال أبو حازم: أدركنا العلماء والأمراء والسلاطين يأتون فيقفون على أبوابهم كالعبيد حتى إذا كان اليوم رأينا العلماء والفقهاء والعباد هم الذين يأتون الأمراء والأغنياء، فلما رأوا ذلك منهم ازدروهم واحتقروهم وقالوا: لولا أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت