الصفحة 78 من 93

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنها كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنها يبتغي القتل والموت مظانة) [رواه مسلم] .

ويجب أن يفهم؛ أن الحرب سجال، وقد لا يتحقق النصر في أول وهله لحكمة يريدها الله عز وجل، فالابتلاء والامتحان من عوامل التمحيص كما بينه الله عز وجل في قوله: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} ، وقال عز وجل: {ذلك ولو يشاء الله لا انتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم} .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله على هذه الآية: ( {ولو يشاء الله لانتصر منهم} ؛ فإنه تعالى على كل شيء قدير وقادر على أن لا ينتصر الكفار في موضع واحد أبدا، حتى يبيد المسلمون خضراءهم، {ولكن ليبلوا بعضكم ببعض} ؛ ليقوم سوق الجهاد وتتبين بذلك أحوال العباد الصادق من الكاذب وليؤمن من آمن إيمانا صحيحا عن تبصره، لا إيمانا مبنيا على متابعة أهل الغلبة، فإنه إيمان ضعيف جدا لا يستمر لصاحبه عند المحن والبلايا) اهـ

فالنكاية بالعدو التي ذكرها صاحب هذه المقالة؛ التي يكون على أثرها إزهاق أرواح خلص أتقياء صلحاء، لا يعلمها إلا الله عز وجل، إذ أن العبرة في جيوش المسلمين بالكيف لا بالكم.

ولو أن تأملنا جيوش النبي صلى الله عليه وسلم؛ لوجدنا أنها في الغالب ثلث جيش العدو، إن لم تكن أقل، كما في غزوة بدر الكبرى وأحد والخندق، بل إنه صلى الله عليه وسلم أرسل جيشا قوامه ثلاثة آلاف إلى عدو يبلغ جيشه مئتي ألف، وعقد الراية لثلاثة أمراء كلهم، قد بين أن سيقتل، ولم يكن صلى الله عليه وسلم ليشح بدمائهم ويحرمهم الشهادة.

قال تعالى: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} .

وبما ذكرناه ينتفي الإشكال الذي أثاره صاحب هذه الفتوى، وما استدل به من كلام الإمام الفقيه العز بن عبد السلام رحمه الله، إذ أنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت