فهرس الكتاب
وأحسن تأويلا، وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عن من لم يحكموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم نفيًا مؤكدًا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} ، ولم يكتف تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم بقوله جل شأنه: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت} ، والحرج الضيق، بل لا بد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب، ولم يكتف تعالى أيضا هنا بهذين الأمرين حتى يضموا إليهما التسليم وهو كمال الانقياد لحكمه صلى الله عليه وسلم بحيث يتخلوا هاهنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتم تسليم ولهذا أكد ذلك بالمصدر المؤكد وهو قوله جل شأنه {تسليمًا} المبين أنه لا يكتفى ها هنا بالتسليم بل لابد من التسليم المطلق) اهـ.
وقال الشيخ صالح الفوزان يحفظه الله: (فالتحاكم إلى شرع الله ليس لطلب العدل فقط وإنما هو في الدرجة الأولى تعبد لله وحق لله وحده وعقيدة، فمن احتكم إلى غير شرع الله من سائر الأنظمة والقوانين البشرية فقد اتخذ واضعي تلك القوانين والحاكمين بها شركاء لله في تشريعه، قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ، وقال تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} ) .
2)قد كثر في هذا الزمن من يجيرون فتاواهم حسب ما تمليه أهواؤهم وما تشتهيه رغباتهم أو نزولًا على رغبات غيرهم ممن يرجونهم لمصالحهم الشخصية مع علمهم أن ما يفتون به مخالف للنصوص الشرعية وأقوال أهل العلم كالفتيا بجواز التأمين المسمى بالتأمين التعاوني وجواز التصوير بما في ذلك تصوير المرأة وقيادة السيارة والظهور في القنوات الفضائية.
أضف إلى ذلك كثيرًا من المعاملات الربوية وغيرها، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) رواه الدارمي مرسلًا عن عبيد الله بن أبي جعفر.
وقد سئل أحمد عن هذا الحديث: ما معناه؟ فقال: (يفتي بما لم يسمع) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أفتى بفتيا بغير تثبت فإنما إثمه على من أفتاه) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي والحاكم.
وروى الدارمي أيضًا عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال في خطبته: (من علم علمًا فليعلمه الناس وإياه أن يقول ما لا علم له به فيمرق من الدين ويكون من المتكلفين) .
علمًا أن سلف هذه الأمة كانوا يتدافعون الفتيا فيما بينهم تورعًا وخشية أن يقول أحدهم بما لا يعلم، مع أنهم أعلم الناس بعد رسول الله بكتاب الله وسنة نبيه لاسيما الصحابة رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان.
وهذه بعض الآثار التي يتبين لك من خلالها تورعهم عن الاستعجال في الفتيا ومبلغ خوفهم من الله سبحانه وتعالى:
فروى الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم قومًا يتمارون في القرآن قال: (إنما أهلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه بعضًا، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه) .