الصفحة 91 من 145

إنّ هذا الصراع الذي فرّق بين هابيل وأخيه قابيل، وفرّق بين نوح عليه السّلام وزوجته، وقطع الصلة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمه أبي لهب، هذا الصراع هو نفسه الذي أخرج اليوم المجاهدين في الجزائر من ديارهم وفرّق بينهم وبين حكّام البلاد المرتدّين.

غير أنّ الأحكام الشرعيّة التي تضبط هذا الصراع قد تختلف من نبيّ إلى آخر، فإذا كنا في شريعة آدم عليه السّلام؛ {لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} ، فإننا نجد بالمقابل في شريعة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؛ {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} .

أيها الشعب الجزائري المسلم ...

هذه ظاهرة، وظاهرة أخرى يجب أن تعرفها وهي؛ أنه ما من طائفة مؤمنة فرّت بدينها وفارقت دين الشرك وخالفت رؤوس المشركين إلاّ وقام هؤلاء المشركون يطاردونها ويحاربونها، ويراودونها لكي ترجع عن دينها وتعود في ملّة الكفر، مستعملين أسلوب الترهيب حينا، وأسلوب الترغيب حينا آخر، يقول الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} .

وقد أخبرنا القرآن الكريم ما قاله قوم شعيب لرسولهم عليه السلام؛ {قال الملأ الذين استكبروا لنخرجنّك يا شعيب والذين ءامنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملّتنا} .

وأخبرنا كذلك عن خوف أصحاب الكهف من قومهم حين قالوا: {إنّهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتّهم ولن تفلحوا إذا أبدا} .

وأخبرتنا كتب السيرة النبويّة كيف حاولت قريش أن تعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ملتها، وذلك حين ذهبت إلى عمّه أبي طالب تطلب منه التوسّط عند ابن أخيه وتعرض عليه الملك، والجاه والمال، وأمورا أخرى من أعراض الدنيا، ولا شكّ أنّ الكثير منكم يعرف ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر قولته المشهورة (يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتّى يُظهره الله أو أُهلك دونه) .

إذن فظاهرة المساومة - مساومة أهل الباطل لأهل الحق - هي أيضا ظاهرة قديمة، بل هي سنّة قدريّة تتكرّر دائما ولا تتغيّر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت