بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقائد الغرّ المحجّلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛
فإنه لا بد للإنسان الحي من هم يشغل تفكيره ويلازم حياته ويسعى لتحقيقه والوصول إليه ولو كلّفه ذلك أشد التكاليف. وهذا الهم إما أن يكون دينيًا شرعيًا وإما أن يكون دنيويًا. وما نريد تسليط الضوء عليه والحديث عنه في هذه الكلمات هو الهم الديني الشرعي. وهو الهم الذي إن صحّ وصلح أفلح صاحبه في الدنيا والآخرة وكان سعيه مشكورًا. وإن فسد خسر صاحبه في الدنيا والآخرة وكان سعيه مذمومًا.
قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 18، 19] . قال ابن كثير -رحمه الله-:"وقوله ومن أراد الآخرة أي أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم والسرور، وسعى لها سعيها أي طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وهو مؤمن أي وقلبه مؤمن. أي مصدق بالثواب والجزاء. {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19] ". اهـ.
وقال ابن عطية -رحمه الله-:"وقوله {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ} [الإسراء: 19] الآية. المعنى ومن أراد الآخرة إرادة يقين بها، وإيمانًا بها، وبالله وبرسالاته. قال القاضي أبو محمد: وذلك كله مرتبط متلازم. ثم شرط في مريد الآخرة أن يسعى لها سعيها وهو ملازمة أعمال الخير وأقواله على حكم الشرع وطرقه، فأولئك يشكر الله سعيهم. ولا يشكر الله عملًا ولا سعيًا إلا أثاب عليه وغفر بسببه". اهـ.
وقال ابن عاشور رحمه الله في التحرير والتنوير: قسم لم يرد إلا الدنيا فكانت أعماله لمرضاة شهواته معتقدًا أن الدنيا هي قصارى مراتع النفوس لا حظ لها إلا ما حصل لها في مدة الحياة؛ لأنه لا يؤمن بالبعث فقصر عمله على ذلك. وقسم علم أن الفوز الحق هو فيما بعد هذه الحياة فعمل للآخرة مكتفيًا ما هداه الله إليه من الأعمال بواسطة رسله. وأن الله عامل كل فريق بمقدار همته". اهـ"