فهرس الكتاب
فصلى الله وسلم على نبينا محمد، كم عانى وتحمل من أجل هم نشر التوحيد والدعوة إليه. ومع ما وجده -عليه الصلاة والسلام- من أذى وتكذيب من أقرب الناس إليه إلا أنه ما خبى همه ولا قصرت همته عن إكمال مشوار الدعوة إلى الله، بل ما زاده ذلك إلا إصرارً وثباتًا.
فعن ربيعة بن عباد الديلي قال: إني لمع أبي رجل شاب أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبع القبائل ووراءه رجل أحول وضيء الوجه ذو جمة يقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على القبيلة فيقول"يا بني فلان إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به"وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه يا بني فلان هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تسمعوا له ولا تتبعوه فقلت لأبي من هذا؟ قال عمه أبو لهب. سنده حسن.
قال سيد قطب -رحمه الله- في قول الله تعالى {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} [فصلت: 6] . يا لعظمة الصبر والاحتمال والإيمان والتسليم! إنه لا يدرك ما في الصبر على هذه الحال والتبرؤ من كل حول وقوة في مثل هذا الموقف، واحتمال الإعراض والتكذيب في تبجح واستهتار، دون استعجال الآية التي تردع المعرضين المكذبين المستهترين. إنه لا يدرك ما في الصبر على هذا الحال من مشقة، ومن عظمة في احتمال هذه المشقة، إلا من يكابد طرفًا من هذا الموقف في واقع الحياة. ثم يمضي في الطريق!
ومن أجل هذا الموقف وأمثاله كان التوجيه إلى الصبر كثير الورود للأنبياء والرسل. فطريق الدعوة هو طريق الصبر. الصبر الطويل. وأول ما يستوجب الصبر تلك الرغبة الملحة في انتظار الدعوة، ثم إبطاء النصر. بل إبطاء أماراته. ثم ضرورة التسليم لهذا والرضى به والقبول!". اهـ"
وقد حاول أعداء الله أن يساوموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر التوحيد والدعوة إليه ونشره ولكنه أبى وامتنع وآثر الجهد والمشقة والأذى والابتلاء على أن يداهن ويساوم ويرضى الدنية في دينه عليه أفضل صلاة وأتم تسليم.