فهرس الكتاب
ونخلص من هذه التعاريف للحكمة أنها اكتمال العقل المبنيّ على علم بالكتاب والسنة، مما يجعل صاحبها يضع الأمور في مواضعها ويتصرّف التصرُّف الصحيح في كل ما يَعرِض له من أحداث.
والحكيم هو من يوفَّق لهذا الأمر، وذلك بإخلاصه لله تعالى، وبحثه عن الحق في كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-. ثم يتجرّد من حظوظ نفسه الأمَّارة بالسوء، ويتحرّر من قيودها، ولا يخاف في الحق لومة لائم، فهذا من يوفّقه الله للحكمة؛ فإذا فكّر فبها، وإذا نطق فبها، وإذا عمل فبها.
وعندما تتفكر في ذلك الرَّعيل الأول من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم من السلف الصالح -رضي الله عنهم ورحمهم الله- تجدهم قد حققوا هذا المعنى العظيم للحكمة. حتى قال بعضهم عن بعض:"لو كان هناك نبي بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكان فلانًا"، وقد ذُكر ذلك في الإمام الحسن البصري -رحمه الله-.
ومن عجائب المتفلسفة الجهّال أن يُسمُّوا بعض الكفار والملاحدة"حكماء"، وما رأوا حكمة أئمتنا وسلفنا الصالح، ومَن نَهَل مِن مَعِين حكمتهم وغَرَف غُرفة من نهر رجاحة عقولهم فقد وُفّق للحكمة.
وإننا في هذه الأيام ومع تلاطم أمواج الفتن واختلاط الحابل بالنابل في حاجة ماسّة للحكمة والحكماء؛ الذين يستضيؤون بنور العلم الصحيح ويضعون الأمور في مواضعها، فلا يلينون في موضع الشدة ولا يشدُّون في موضع اللين، ولا يتكلّمون في مقام الصمت ولا يصمتون في مقام الكلام، ويعرفون ما الذي ينبغي أن يكون منهم في الوقت المناسب والمكان المناسب.