الصفحة 29 من 35

ولدى التأمل فيما تقدم عن الفقهاء فإنه يتبين أن العلامات التي ذكرت ظواهر وأعراض تصاحب التغير الذي يطرأ على الصغير حتى يصبح بالغًا، والأطباء وهم الخبراء في أعراض الأجسام والمؤثرات التي تقود إليها يجعلون بداية ونهاية لهذه الظواهر التي يقف عندها النمو والتغير، وتصبح أعضاء الجسم وقواه في مرحلة اكتمال النضج.

وليس فيما ذكره الفقهاء من العلامات أو التحديد بالسن دليل واضح الدلالة على مما ذكر، وإنما هي في جملتها اجتهادات منهم في تحديد البلوغ اعتمادًا على بعض الظواهر، أواستنباطًا من بعض الحوادث، ومن أجلى الأدلة على ذلك: الاختلاف البين فيما ذكروه من العلامات أو فيما حدوده من السنين ومن هنا فإنه لايوجد مايمنع من النظر في هذه القضية باعتبار تغير الحال في هذه الأزمنة بسبب انتشار وسائل الترف، وضعف الاعتماد على النفس عما كان عليه فيما مضى من الأزمنة , ووجود المؤثرات العديدة التي تسببت في تأخر النضوج العقلي، والرشد في التصرف ومن المناسب في هذا المقام الالتفات إلى آراء الخبراء، من الأطباء وعلماء النفس والإجتماع والتربويين، فإن معطيات هذه العلوم قد كشفت عن جوانب كثيرة على قدر كبير من الأهمية في بيان جوانب الشخصية الانسانية، والأمور المؤثرة فيها ايجابًا أو سلبًا فعلى سبيل المثال هناك علم النفس الارتقائي Devetp Psychoology) (والذي يعرف بعلم نفس النمو، وهويتهم بدراسة مراحل النمو المختلفة، بدءًا من الحمل، وبعد الميلاد، وفترة الارضاع والفطام، والطفولة المبكرة والوسطى، والمتأخرة، والبلوغ، والمراهقة، والشباب والرجولة وغيرها ويدرس خصائص كل مرحلة عمرية، ومظاهر النمو من الناحية الجسمية والحركية، والحسيّة، والعقلية والنفسية، والانفعالية، والاجتماعية.

وهناك فروع أخرى من فروع علم النفس تختص بدراسة كل مرحلة عمرية كالطفولة، والمراهقة وغيرها، وهذا لايعني أخذ كل مافيها باعتباره من الحقائق المطلقة؛ لأنها في كثير من جوانبها مؤسسة على النظرة المادية للإنسان كما في نظريات فرويد، ودور كايم وبافلوف وغيرهم ولكن المقصود الافادة مما فيها مما يكشف عن جوانب النفس الانسانية وخصائصها ومراحل نموها، والمؤثرات فيها.

وتأسيسًا على كل ماتقدم فإنه يمكن أن يقال بأن الشريعة الإسلامية ناطت التكاليف بالعقل الذي هو آلة القدرة كما يقول البخاري في شرحه على أصول البزدوي [1] والبلوغ يعني النضج الجسمي، وهو وإن احتمل النضج العقلي إلا أنه احتمال غير مؤكد؛ لأن الإنسان قد يبلغ باعتبار العلامات الطبيعية، أو باعتبار السن، ولايكون عقلة تاما ـ وقد يتباين الناس في ذلك باعتبار تغير الظروف والأحوال الجسمية،

(1) - كشف الأسرار 4/ 139.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت