الصفحة 30 من 35

والبيئية، والنفسية [1] ، ولذا جعل الله سبحانه مناط تمكين الصبي اليتيم من التصرف في ماله أمرين: أحدهما وصوله إلى مبلغ النكاح، والآخر وجود الرشد"وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم ..."

وإنه بات من المؤكد في هذا الزمان تأخر الادراك الواعي والرشد عن البلوغ الجسمي، وهناك كثير من الناشئة تمتد طفولتهم إلى سن متأخرة [2] ، ولما كان اليقين هو المعوّل عليه في اثبات التكليف، ولما كان حال الصغر المقتضى لعدم التكليف هو المتيقن، فإنه لابد لزواله من اليقين بوجود العقل الكافي للتكليف [3] ، وهذا لايكفي فيه وجود بعض العلامات والظواهر التي قد لاتضطرد، وقد لاتنضبط بل لابد من وجود يقين أو ظن غالب بحصول الشرط الأساس للتكليف وهو القدر الكافي من العقل والادراك وهذا يقتضي أن تأخذ بعين الاعتبار النمو في كافة المجالات المتعلقة بالصبي جسمية كانت أو عقلية أو نفسية أو اجتماعية، لأن الجسم البشري وحدة واحده لا تنفك أجزائها عن بعض كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصف المؤمنين"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [4] ولذا فإن القول بتحديد سن البلوغ والرشد بتمام 18 عاما للذكر والأنثى يبدو أقرب على تحقيق مقصود الشرع؛ إذ بلوغ هذه السن مع وجود أصل العقل مظنة على حصول قدر من العقل يصلح به صاحبه لتعلق التكاليف الشرعية به، هذا فيما يخص جانب المعاملات المالية، والمسائلة الجنائية التامة عن أفعاله وأقواله، من حيث صلاحيته للاقتصاص منه وإقامة الحدود عليه وتعزيره على بعض أفعاله حسبما يراه القاضي، أما قبل بلوغه هذه السن فإن هناك شبهه في اكتمال عقله تصلح لاسقاط العقوبة عنه؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات [5] ، وهذا لايمنع من تأديبه وتهذيبه بما يناسبه [6] ، وفي كل الأحوال فإن مايترتب على فعل من لم يحكم ببلوغه من اتلاف للنفس أو المال فهو مضمون، أما الأموال ومادون النفي فإنها تكون في ماله إن كان له مال ويطالب وليه بذلك، وأما النفس فإن جنايته فيها خطأ لأن عمد الصبي خطأ فتكون على عاقلته، ما من ناحية وجوب العبادات عليه فإن هذا الأمر يتعلق به إذا ثبت احتلامه وكان عاقلًا، لأن شأن

(1) - د/ محمود عطا حسين عقل - النمو الانساني - الطفولة والمراهقة صـ 384 - 385.

(2) - يحدد علماء النفس فترة المراهقة المبكرة بين 13 - 17، والمتأخرة بين 18 - 22، انظر المرجع السابق، صـ 381 - 411.

(3) - انظر قاعدة: اليقين لايزال بالشك في الأشباه والنظائر للسيوطي صـ 50.

(4) - مختصر صحيح مسلم الحديث 1774.

(5) - السيوطي - الأشباه والنظائر - صـ 122.

(6) - د/ عبد الفتاح بيومي حجازي - المعامله الجنائية والاجتماعية للأطفال، د/ حمدي أبو الروس - القصد الجنائي والمسؤولية، عبد القادر عوده - التشريع الجنائي الاسلامي 1/ 604.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت