اما فيما لم يكن هناك عقد مستقل لازم في ذلك، ولم يكن ذلك شرطا في عقد بيع العقار المرتفق، فان كان نفس حق الارتفاق ناشئا من شرط في ضمن ذلك البيع مع عدم التعرض لكيفية تحمل النفقات، فانه حينئذ ايضا يمكن القول بان تحمل تلك النفقات بمقدار فائدة تعود علي صاحب الحق يعد شرطا ضمنيا ارتكازيا وان لم يصرح به في ضمن العقد، أما فيما لم يكن نشوء حق الارتفاق بالعقد، بل نشأ بالأسباب الأخري فالزامه حينئذ باداء نفقات الصيانة وغيرها من الأعمال والمصروفات اللازمة للمرتفق به مشكل من الناحية الشرعية.
بل لايجوز لسائر الشركاء التصرف المغير لهيئة محل حق الارتفاق وكيفية الاستفادة منه، الا اذا اوجب امتناع أحد الشركاء عن ذلك ضررا علي الاخرين، فانه قد يقال حينئذ بجواز اجباره بالمراجعة الي الحاكم الشرعي.
قال المحقق الكركي رحمه الله:"لو أراد أحد الشريكين الاضرار بصاحبه في الجدار والقناة والدولاب ونحوها، فامتنع من العمارة وغيرها من الوجوه التي يمتنع الانتفاع بدون جميعها، فليس ببعيد أن يرفع أمره إلى الحاكم ليخير الشريك بين عدةأمور: من بيع وإجارة وموافقة على العمارة وغير ذلك من الأمور الممكنة في ذلك، عملا بقوله:"لا ضرر ولا ضرار"ولأن في ترك جميع هذه الأمور إضاعة للمال، وقد نهي عنها، ولم أظفر بتصريح فينبغي أن يلمح". [1]
قال صاحب الجواهر رحمه الله:"ويشهد له في الجملة ما في دعائم الاسلام قال:"روينا عن جعفر بن محمد صلوات الله عليه أنه سئل عن جدار الرجل وهو سترة فيما بينه وبين جاره، سقط وامتنع من بنيانه، قال: ليس يجبر على ذلك، إلا أن يكون وجب ذلك، لصاحب الدار الأخرى، أو شرط في أصل الملك، ولكن يقال لصاحب المنزل: استر على نفسك في حقك إن شئت، قيل له: فإن كان الجدار لم يسقط، ولكنه هدمه أو أراد هدمه إضرارا بجاره لغير حاجة منه إلى هدمه، قال: لا يترك أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال:"لا ضرر ولا ضرار"وإن هدمه كلف أن يبنيه. [2]
لكن صدق الاضرار في مثل ذلك قليل جدا فلابد من تمييزه عن الموارد التي لاتعد اضرارا، بل هو مجرد عدم ايصال النفع أو كان الزامه مستلزما لفرض الضرر الآخر بها والضرر لايدفع بالضرر.
لاشك أنه يجوز للممتنع الاستفادة من أصل حقه في الارتفاق اذا لم يكن متوقفا علي التصرف في العمارة والآلات التي أوجدها المنفقون في الحق المشترك، فلابد له الاقتصار علي الاستفادة من حقه بدون الاستفادة مما أحدثه الاخرون وان لم
(1) جامع المقاصد - المحقق الکرکي ج 5 ص 425
(2) جواهر الكلام - الشيخ الجواهري - ج 26 - ص 266 - 271