الأرض، وقد أوحى إلى ذلك قوله تعالى:) رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة فيها كتب قيمة ( [البينة 2 - 3] ، وكذلك قوله تعالى:(في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة) [عبس 13 - 14] فوصفها أنها مطهرة فلا يصلح للمحدث مسها) [1] .
وقال أبو عبد الله الحَلِيمِي الشافعي [2] : (إن الملائكة إنما وصلت إلى مس ذلك الكتاب؛ لأنهم مطهرون، والمطهر هو الميسر للعبادة، والمرضي لها، فثبت أن المطهر من الناس هو الذي ينبغي له أن يمس المصحف، والمحدث ليس كذلك؛ لأنه ممنوع عن الصلاة والطواف، والجنب والحائض ممنوعان عنهما، وعن قراءة القرآن فلم يكن لهم حمل المصحف ولا مسه) [3] .
ثانيًا: أن دعوى عدم صحة الأحاديث، وأنها لا تصلح للاحتجاج بها والعمل بها غير مسلم، فإن تلك الأحاديث التي استدل بها الجمهور على تحريم مس المصحف على المحدث وإن كان لا يخلو إسناد كل واحد منها من مقال إلا أنها بمجموع طرقها ترقى في أقل أحوالها إلى درجة الحسن، فصلح الاحتجاج بها، ووجب العمل بها، كما قال ذلك عدد من أئمة الحديث المشهورين كما تقدم نقل كلام بعضهم.
وقال الإمام ابن عبد البر [4] : (لا خلاف عن مالك [5] في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد، وقد روي مسندًا من وجه صالح، وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه المتواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ... وما فيه فمتفق عليه إلا قليلًا) [6] .
ثالثًا: وأما دعوى عدم ثبوت إجماع الصحابة فغير مسلم، لثبوت ذلك الحكم عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم زمن النبوة وبعده، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف، فكان ذلك
(1) - شرح العمدة، 1/ 384.
(2) - هو القاضي العلامة , رئيس المحدِّثين والمتكلمين بما وراء النهر , أبو عبد الله , الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، توفي في شهر ربيع الأول , سنة 403 هـ. طبقات الحفاظ،1/ 82.
(3) - معرفة السنن والآثار للبيهقي، 1/ 187.
(4) - سبق ترجمته، ص، 17.
(5) - الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي الحميري، إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة المشهورين، إليه ينسب المذهب المالكي في الفقه، ومن بين أهم أئمة الحديث النبوي الشريف توفي سنة 179 هـ. مغاني الأخيار 2/ 124
(6) - نيل الأوطار، 1/ 259، إظهار الحق المبين، ص، 20.