فهرس الكتاب
وأما توجيه قراءة الجر , فقد عطفها من يوجب مسح الأرجل على لفظ"برؤوسكم" [140] .
ويرى الرازي أن العاملين إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى [141] .
وأما عند القائلين بوجوب الغسل فوجهوا الآية توجيهات عدة: فبعضهم حملها على الجر على الجوار واستشهد بشواهد من كلام العرب ومن القرآن ومن الشعر , منها قوله تعالى:"عذاب يوم أليم"والأليم صفة للعذاب وليست ليوم. أي عطف (أرجلكم) على (برؤوسكم) في الإعراب لا في الحكم , فهو تشاكل لفظي لا اشتراك معنوي , فهو في الحقيقة معطوف على (وجوهكم) . [142] وقوله تعالى:"وحور عين"لمن قرأها بالخفض [143] عطفًا على"بأكواب وأباريق"للمجاورة والمعنى مختلف , فوجهها بعضهم على المجاورة , لأنه لا يقصد من ذلك أن يطاف عليهم ولدان مخلدون بحور عين، [144] وكقولهم:"هذا جحرُ ضبٍ خربٍ"،بخفض خرب مع أنها صفة لجحر المرفوعة. وكقول الشاعر: كبير قومٍ ِ في بجاد مزملٍ وكقول الشاعر:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلّهم ... أن ليس وصل إذا انحلت عرا الذئب
و (كلهم) توكيد لذوي الزوجات المنصوب، ولكن لمّا جاور مجرورًا جرّ. [145]
وردّ القائلون بالمسح على توجيه الجر على الجوار من ثلاثة جوانب هي: أحدها: أن الجر على المجرور معدود في اللحن , ويدخل في الشعر للضرورة , وثانيها: أنه يعمل به عند أمن اللبس , وثالثها: أن الجر على الجوار لا يكون بحرف عطف؛ لأنه يمنع المجاورة، والعرب لم تتكلم به. [146]
ومن اللغويين من قال إنّ الجر على الجوار له نظائر كثيرة في القرآن، لذا وضع النحويون بابًا مختصًا به أدرجت تحته عدد من المسائل , ومِمّن قال بهذا العكبري، [147] وأبو السعود. [148] إلا أن أبا البركات الأنباري عد هذا قليلًا في كلام العرب , ولم ير التوجيه الأنسب لهذه الآية بهذا الجر، [149] وعد ذلك من الشذوذ، ولم يجد حجة للكوفيين في القياس عليه في بعض المسائل. [150] وقد اعتبر ابن خالويه الجر على الجوار لا يقع إلا في الشعر اضطرارا , والقرآن لا يحمل على الضرورة، [151] وكذلك الزجاج رفض وقوع مثل هذا الجر في القرآن الكريم. [152]