التحكيم لغة مصدر حكمه في الأمر والشيء: أي جعله حكمًا، وفوض الحكم إليه. وحكمه بينهم أي طلب منه أن يحكم بينهم. فهو حكم ومحكم. وحكمه في ماله تحكيما: إذا جعل إليه الحكم فيه [1] . قال في المصباح المنير (وحكمت - بالتشديد - الرجل فوضت الحكم إليه) [2] . وفي الاصطلاح تولية الخصمين حاكمًا يحكم بينهما [3] . وعرفته مجلة الأحكام العدلية بأنه (اتخاذ الخصمين برضاهما حاكما يفصل خصومتهما ودعواهما يقال حكم، بفتحتين، ومحكم بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الكاف المفتوحة) [4] .
وعرفه بعض المعاصرين بقوله (اتفاق بين طرفين أو أكثر على تفويض هيئة تحكيم من شخص أو أكثرللفصل في نزاع بينهم بحكم ملزم) [5] .وهذا التعريف جيد لو أنه حذف من التعريف كلمة"تحكيم"لكان - في نظري - أولى. لأن التعريف كله لتوضيح معنى هذه العبارة، ولكي يسلم التعريف ذاته من الدور وهو وجود كلمة من المعرف في التعريف.
ثانيا: الفرق بين التحكيم والقضاء:
هناك نقاط اتفاق بين التحكيم والقضاء ونقاط اختلاف.
ونبدأ أولًا بنقاط الاتفاق:-
1 -كل منهما ولاية حكم لذلك قال بعض الفقهاء إن التحكيم شعبة من القضاء.
2 -كل من الحكم والقاضي يكتسب ولاية الحكم ممن ولاه، باتفاق الطرفين الموليِّ والمولىَّ، ويتقيد كل من القاضي والحكم بما يقيده به من ولاه، من حيث زمان الولاية ومكانها، والموضوعات التي يحكم فيها.
3 -المولِّى يملك عزل الموَّلى. فإذا عزل الإمام القاضي انعزل، وإذا تفق الخصمان على عزل الحكم انعزل.
4 -كل من الحكم الصادر من الحكم والقاضي يعتبر حكمًا شرعيًا متى استوفى شروطه.
ويختلفان في أمر جوهري له أثره وهو الجهة المولية لكل منهما ففي التحكيم تتم التولية من الخصوم للحكم، والحكم يستمد سلطته منهم وسلطتهم خاصة على أنفسهم فقط.
وفي القضاء تتم التولية من الإمام وهو صاحب سلطة عامة. والقضاء هو سلطة الدولة في الفصل في النزاعات وحماية الحقوق، فالقضاء مظهر من مظاهر سيادة الدولة وبذلك يختلف عن التحكيم الذي هو قضاء ثان أو ثانوي [6] . وهذا يعني أن ولاية التحكيم أدنى من ولاية القضاء. والحكم أقل سلطة من القاضي وأدنى منه رتبة. وبالتالي حكمه أدنى رتبة من حكم القاضي.
وهذا الفرق ترتب عليه عدد من الفروق الأخرى: [7] .
(1) الرازي، مختار الصحاح د, ط (بيروت: دار الكتب العربية، د. ت) ص 148.
(2) الفيومي، المصباح المنير، تحقيق عبد العظيم الشناوي، الطبعةالثانية (القاهرة: دارالمعارف د. ت) ص 145.
(3) وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، الموسوعةالفقهية مادة تحكيم الجزء العاشر.
(4) سليم رستم باز، شرح المجلة، الطبعةالثالثة (بيروت: دار إحياء التراث العربي 1305) ص 1163.
(5) محمد خلوصي وزميله، المطالبات ومحكمة التحكيم الطبعة الأولى (د. ن.1413) ص 53.
(6) انظر: محمدبن ناصرالبجاد، التحكيم فيالمملكةالعربيةالسعوديةد. ط (الرياض: معهدالإدارةالعامة 1420) ص 17.
(7) انظر: حسن الغزالي، التحكيم في الفقه الإسلامي 39 - 40.