وعليه فإن التحكيم يتيح مجالًا رحبًا للمتحاكمين لإجراء التحاكم بينهما في مكان مناسب وجو مريح [1] .
اختلف العلماء في حكم التحكيم فذهب جمهور الفقهاء إلى جوازه، وذهب بعض فقهاء الشافعية وابن حزم إلى القول بعدم الجواز. في حين ذهب آخرون من الشافعية إلى موافقة الجمهور [2] . بل قالوا إنه هو الأصح في المذهب [3] . وإن كان بعض فقهاء الشافعية نقلوا الإجماع على مشروعية التحكيم قال النووي رحمه الله تعالى ( .. فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهماتهم العظام وقد أجمع المسلمين عليه ولم يخالف فيه إلا الخوارج) [4] . وقال الشربيني ( .. لأنه - أي التحكيم - وقع لجمع من كبار الصحابة، ولم ينكره أحد. قال الماوردي فكان إجماعا) [5] .
وسنذكر الخلاف مفصلا في هذه المسألة مع بيان أدلة الفريقين ثم بيان ما أراه راجحا في هذا الخلاف، وذلك على النحو التالي:-
القول الأول:-
ذهب الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية والحنابلة إلى القول بجواز التحكيم، ووافقهم على ذلك جمهور أهل العلم من الفقهاء، وقال بعض الشافعية إن هذا القول هو الأصح في المذهب [6] .
واستدلوا بما يلي:-
1 -قال تعالى: [وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها] [7] .
(1) انظر: قحطان الدوري، عقد التحكيم ص 106.
(2) انظر: الماوردي الحاوي الكبير شرح مختصر المزني تحقيق على محمد معوض وزملاؤه الطبعة الأولى (بيروت: دار الكتب العلمية 1414) 16/ 325.
(3) انظر: البيضاوي، الغاية القصوى في دراية الفتوى، ساعد على نشره اللجنة الوطنية للاحتفال بمطلع القرن الخامس عشر الهجري بالعراق 2/ 1006.
(4) النووي، شرح صحيح مسلم 12/ 92.
(5) الشربيني، مغني المحتاج 4/ 378.
(6) انظر: الزيلعي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وبهامشه حاشية أحمد الشلبي، الطبعة الثانية مصورة من الطبعة الأولى (بيروت: دارالمعرفة د. ت) 4/ 193 والخصاف، شرح أدب القاضي للرازي (أسعد الحسيني:1400) ص 390، ابن نجيم، البحر الرائق وتكملته للطوري الطبعة الثانية (بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر د. ت) 7/ 25 و الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع خرج أحاديثه أحمد مختار عثمان د. ط (القاهرة: مطبعة الإمام د. ت) 9/ 4080.وابن العربي، أحكام القرآن تحقيق علي محمد البجادي د. ط (بيروت: دار الفكر، د. ت) 1/ 427. والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن د. ط (بيروت: دار إحياء التراث العربي 1405) 5/ 178. والنووي، روضة الطالبين وعمدة المفتين الطبعة الثانية (بيروت: المكتب الإسلامي 1405) 11/ 121. الشربيني، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (بيروت: دار الفكر د. ت) 4/ 378، والشيرازي، المهذب 2/ 292، والبيضاوي، الغاية القصوى في دراية الفتوى تحقيق على محي الدين على القره داغي (مصر: دار النصر للطباعة الإسلامية) 2/ 1006. وابن قدامة، المغني (الرياض: مكتبة الرياض الحديثة 1401) 9/ 107، والبهوتي، شرح منتهى الإرادات 3/ 467، والبهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع (بيروت: عالم الكتب 1403) 6/ 308، والمرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف تحقيق محمد حامد الفقي الطبعة الأولى (بيروت: دار إحياء التراث العربي 1377) 11/ 197.
(7) سورة النساء الآية 35.