فعند الشقاق والخلاف بين الزوجين يشرع تكليف حكمين، وقياسًا على ذلك سائر الخصومات إذا تراضى المتخاصمان على ثالث يفصل النزاع بينهما. قال القرطبي (وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم وليس كما تقول الخوارج إنه ليس التحكيم لأحد سوى الله تعالى) [1] . وقال الرازي (ت: 370) بعد أن أورد هذه الآية (فهذا أصل في جواز التحكيم) [2] .
2 -قوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم] [3] .
وقد احتج بهذه الآية ابن عباس رضي الله عنهما أثناء مناقشته للخوارج في شأنه التحكيم الذي اتفق عليه على ومعاوية رضي الله عنهما [4] . واحتج بها أيضا بعض الفقهاء على مشروعية التحكيم، فقد قال ابن العربي رحمه الله تعالى عند هذه الآية (وهذا دليل على التحكيم) [5] .
3 -عن هاني رضي الله عنه أنه لما وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال [إن الله هو الحكم و إليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم؟] فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضى كلا الفريقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما أحسن هذا!، فمالك من الولد؟] قال: لي شريح ومسلم و عبد الله. قال: [فمن أكبرهم؟] قلت: شريح. قال: [فأنت أبو شريح] [6] .
فقد استحسن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب، وهو تحكيم القوم لهاني، وحكمه بينه، (وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة التعجب مبالغة في حسنه) [7] .
4 -عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال (نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد، فأتاه على حمار، فلما دنا من المسجد قال للأنصار: - قوموا على سيدكم - أو خيركم -. فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك. فقال:- تقتل مقاتلهم وتسبي ذراريهم. قال: قضيت بحكم الله. وربما قال: بحكم الملك) [8] .
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 5/ 179.
(2) الجصاص، شرح أدب القاضي للخصاف ص 391.
(3) سورة المائدة الآية رقم 95.
(4) أخرج القصة الحاكم في المستدرك 2/ 150 - 152 وصححها ووافقه الذهبي في التلخيص.
(5) ابن العربي، أحكام القرآن 2/ 674.
(6) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في تغيير الاسم القبيح. واللفظ له، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3/ 936 رقم الحديث 4145.وأخرجه النسائي في سننه، كتاب آداب القضاة، باب إذا حكموا رجلا فقضى بينهم. مصورة عن الطبعة الأولى (بيروت: دار الفكر 1348) 8/ 226.
(7) العظيم آبادي، عون المعبود شرح سنن ابن داود تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان الطبعة الثانية (المدينة: المكتبة السلفية 1389) 13/ 296 - 297.
(8) أخرجه البخاري ومسلم (متفق عليه) واللفظ للبخاري. صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر. كتاب المغازي، باب مرجع النبي صلى الله علليه وسلم من الأحزاب. 7/ 411 رقم 4121. و صحيح مسلم المطبوع مع شرح النووي 12/ 92.