قال ابن حجر رحمه الله تعالى (وفيها تحكيم الأفضل من هو مفضول) [1] . قال النووي رحمه الله تعالى ( .. فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهماتهم العظام وقد أجمع المسلمين عليه ولم يخالف فيه إلا الخوارج) [2] .
5 -عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم [اشترى رجل من رجل عقارا، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض ولم ابتع منك الذهب، وقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية. قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا] [3] . وقد ذكر ابن حجر رحمه الله ما يمكن أن يستدل بظاهر قوله (فتحاكما) على أن الذي جرى هنا تحكيم، وإن كان بعض العلماء يرى أنهما تحاكما إلى قاض منصوب للناس وليس إلى محكم. [4] .
6 -وردت عدة قضايا تحكيمية من الصحابة رضي الله عنهم، بل قد نقل بعض العلماء إجماع الصحابة على جواز التحكيم [5] ومن هذه القضايا التحكيمية:
أ قال الشعبي رحمه الله تعالى (كان بين عمر رضي الله تعالى عنه وأبي رضي الله تعالى عنه خصومة فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلا. قال: فجعلا بينهما زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه. قال: فأتوه. قال: فقال عمر رضي الله عنه أتيناك لتحكم بيننا وفي بيته يؤتى الحكم. قال فلما دخلوا عليه أجلسه معه على صدر فراشه. قال: هذا أول جور جرت في حكمك. أجلسني وخصمي مجلسا. قال: فقصا عليه القصة. قال: فقال زيد: لأبي اليمين على أمير المؤمنين، فإن شئت أعفيته. قال: فاقسم عمر رضي الله عنه على ذلك. ثم أقسم له لا تدرك باب القضاء حتى لا يكون لي عندك على أحد فضيلة) [6] . فقد حكم عمر وأبي رضي الله تعالى عنهما زيد بن ثابت رضي الله عنه في نزاع بينهما فدل على مشروعية التحكيم.
ب عن أبي مليكة رحمه الله تعالى (أن عثمان رضي الله تعالى ابتاع من طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى أرضا له بالكوفة، فلما تبايعا ندم عثمان، ثم قال بايعتك ما لم أره فقال طلحة: إنما النظر لي، إنما ابتعت مغيبا، وأما أنت فقد رأيت ما ابتعت. فجعلا بينهما حكما، فحكما جبير بن مطعم رضي الله تعالى، فقضى على عثمان أن البيع جائز، وأن النظر لطلحة أنه ابتاع مغيبا) [7] .وقد استدل به بعض الفقهاء - كابن قدامة والبهوتي - على مشروعية التحكيم [8] .
(1) ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري 7/ 416.
(2) النووي، شرح صحيح مسلم 12/ 92.
(3) متفق عليه واللفظ للبخاري. صحيح البخاري المطبوع مع الفتح، كتاب أحاديث الأنبياء، باب رقم (54) رقم الحديث 3472. وصحيح مسلم المطبوع مع شرح النووي، كتاب الأقضية، باب استحباب الإصلاح الحاكم بين الخصمين 12/ 19 - 20.
(4) انظر: - ابن حجر، فتح الباري، 6/ 519.
(5) الرملي، نهاية المحتاج 8/ 242.وعميرة، حاشية قليوبي وعميرة (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية د. ت) 4/ 298.
(6) البيهقي، السنن الكبرى، كتاب آداب القاضي، باب القاضي لا يحكم لنفسه، 10/ 144 - 145.وأوردها عدد من الفقهاء. انظر: السرخسي، المبسوط 21/ 62، وابن قدامة، المغني 9/ 108. والبهوتي، كشاف القناع 6/ 309.
(7) البيهقي، السنن الكبرى كتاب البيع، باب من قال يجوز بيع العين الغائبة 5/ 267 - 268.
(8) انظر: ابن قدامة، المغني 9/ 108، والبهوتي، كشاف في القناع 6/ 309.