الصفحة 11 من 15

ت التحكيم الذي جرى بين على بن أبي طالب رضي الله تعالى ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، حيث حكم علي أبا موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما، وحكم معاوية عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما يوم صفين. [1] . وقد استدل بعض الفقهاء بهذه القصة على مشروعية التحكيم. قال الدسوقي في الشرح الكبير (وأما تحكيم شخصين في نازلة معينة فلا أظنهم يختلفون في جوازه، وقد فعله علي ومعاوية في تحكيمهما أبا موسى وعمرو بن العاص) [2] . وقال الماوردي (ولأنه لما حكم علي ابن أبي طالب في الإمامة كان التحكيم فيما عداها أولى) [3] .

ث عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده، قال: اشترى الأشعث رقيقا من رقيق الخمس، من عبد الله بعشرين ألفا، فأرسل عبد الله في ثمنهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة ألآف، فقال عبد الله: فاختر رجلا يكون بيني وبينك، فقال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك. فقال عبد الله: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إذا اختلف البيعان، وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان] [4] . وهذه قصة صريحة في التحكيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (وإذا حكم أحد الخصمين على خصمه جاز لقصة ابن مسعود) [5] . وقال السهارنفوري في بذل المجهود ("فقال عبد الله فاختر رجلا يكون بيني وبينك"حكما يحكم بيننا"فقال الأشعث أنت الحكم) [6] ."

القول الثاني:

يجوز التحكيم بشرط أن لا يوجد قاض في البلد، فإن وجد قاض لم يجز التحكيم. وإلى هذا القول ذهب بعض فقهاء الشافعية [7] . ولعله هو رأي ابن حزم كما يفهم من كلامه [8] .

واستدلوا بأن الحكم بين الناس من عمل الإمام ونوابه، وفي التحكيم افتيات على عمل الإمام فلا يجوز، فإن لم يوجد قاض جاز لوجود الضرورة حينئذ [9] .

ولكن هذا الاستدلال يجاب عنه بأن التحكيم يختلف عن القضاء - كما مر - فالحكم يقتصر حكمه على من رضي بحكمه، بخلاف القاضي الذي له عموم الولاية. بالإضافة إلى أن الحكم ليس ولاية تنفيذ، وبالتالي ليس هنا افتيات على الإمام لأن

(1) انظر: ابن كثير، البدايةوالنهاية، الطبعةالرابعة (بيروت: مكتبة المعارف 1402) 7/ 276.

(2) الدسوقي، الشرح الكبير د. ط (بيروت: دار الفكر، د. ت) 4/ 134.

(3) الماوردي، الحاوي الكبير 16/ 325. وانظر: الماوردي، أدب القاضي 2/ 379.

(4) أخرجه أبو داود وابن ماجة واللفظ لأبي داود وصححه الألباني. صحيح سنن أبي داود، كتاب البيع، باب إذا اختلف البيعان، والمبيع قائم 2/ 670 رقم 2997. وابن ماجة، صحيح سنن ابن ماجة للألباني الطبعة الثانية (الرياض: مكتب التربية العربي لدول الخليج 1408) ، كتاب التجارات، باب البيعان يختلفان 2/ 13 رقم 1779.

(5) ابن اللحام، الاختيارات الفقهية د. ط (الرياض: المؤسسة السعيدية د. ت) ص 576.

(6) السهارنفوري، بذل المجهود في حل أبي داود د. ط (بيروت: دار الكتب العلمية، د. ت) 15/ 189.

(7) الشربيني، مغني المحتاج 4/ 379.

(8) ابن حزم، المحلى، تحقيق أحمد محمد شاكر د. ط (القاهرة: دار التراث د. ت) 9/ 435 وقال (مسألة: ولا يجوز الحكم إلا ممن ولاه الإمام القرشي الوجبة طاعته، فإن لم يقدر على ذلك فكل من أنفذ حقا فهو نافذ، ومن أنفذ باطلا فهو مردود. برهان ذلك ما ذكرنا من وجوب طاعة الإمام قبل، فإذا لم يقدر على ذلك فالله تعالى يقول [كونوا قوامين بالقسط] "النساء 135". وقال تعالى [اعدلوا هو أقرب للتقوى] "المائدة 8"وهذا عموم لكل مسلم، وقد وافقنا المخالفون على أنه ليس كل من حكم فهو نافذ حكمه فوجب عليهم أن لا ينفذوا حكم أحد إلا من أوجب القرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم نفاذ حكمه وبالله التوفيق) .

(9) انظر: الشربيني، مغني المحتاج 4/ 379.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت