القضاء والإفتاء طلبًا لحقهم خارج دائرة العقود المبرمة. وفي ضوء التضخم وأثره على القيمة النقدية لكل من الدائن والمدين ينتهي الأمر إلى ما يأتي:
الدائنون الذين أقرضوا قرضًا طويل الأجل يخسرون عند هبوط قيمة النقود وارتفاع الأثمان لأنهم يتقاضون من المدين المبالغ الاسمية المتفق عليها في عقد القرض التي لا ترتفع بارتفاع الأسعار.
أما المدينون الذين اقترضوا قبل ارتفاع الأسعار فإن سداد الدَين يكون في صالحهم لأنهم لا يسددون إلا المبالغ الثابتة بموجب عقود سابقة على ارتفاع الأثمان وهذه قد قلَّت قيمتها الحقيقة رغم ثبات قيمتها الاسمية.
في المقابل وفي حالة الانكماش على القيمة النقدية لكل من الدائن والمدين:
فإن الدائنين بمبالغ ثابتة يتحصلون على فائدة كبيرة لأنهم يستردون القيمة الاسمية لديونهم في حالة ارتفاع قيمة العملة الورقية وهبوط الأثمان.
لكن العبء يقع على عاتق المدينين الذين يجب أن يردوا الديون بقيمتها الاسمية رغم ارتفاع قيمتها الحقيقية.
ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة في قضاء دينه كمثلٍ أعلى في كيفية تعامله عند وفاء الناس حقهم، فقد ورد في الحديث الشريف عن أبي رافع أنه - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَرَجَعَ إليه أبو رَافِعٍ فَقَالَ لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا فَقَالَ أَعْطِهِ إِيَّاهُ إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً [1] .
ففي هذا الحديث وحده نجد منهجًا كاملًا للتعامل عند أداء القرض. فعليه الصلاة والسلام رد بأحسن من القرض وهذا يؤدي بنا إلى القول بشواهد منها:
جواز رد القرض بزيادة على ألاّ تكون مشروطة، وهذه الزيادة هي زيادة إحسانية وليست ربوية إذ لم ينص عليها العقد.
الجزاء برفعة مكانة المدين عند القضاء بأحسن مما استلف حيث جعله واعتبره عليه الصلاة والسلام من خيار الناس.
ولعل من أبرز معالم كيفية رد القرض في الحديث هو الحث على وفاء الدين وقضائه بالأحسن كي لا ينقطع سبيل المعروف، ولا يشترط أن تكون زيادة مادية كما يجب أن لا يخلو وفاء الدين من الحمد والثناء للدائن.
(1) البَكر: الفتي من الإبل. الرباعي: ما دخل في السنة السابعة من الإبل. صحيح الإمام مسلم، كتاب المساقاة برقم 1600.