فهرس الكتاب
أتى هذا الماكر بضد ما توقع وأراد منه شريكه أو صاحبه، فحينئذ يكون مذمومًا هذا الوجه؛ لكن إذا جاءك الخصم الخبيث وأراد أن يمكر بك في أنه تعامل بظاهره على غير باطنه، فمن مكره أوقعته في شر أعماله .. من مكره، ويظن أنه يمكر فوقع بمكره في شر أعماله .. مكرًا منك وذكاءً منك، فحينئذ يكون مكرك عدلًا محمودًا، ويكون مكرك قاهرًا عليه .. أنت قاهر عليه، وهو يمكر بالظن أنه هو يقهرك، وأنه غالب عليك يفعل بك ما يريد، ويسيرك إلى إرادته حسب مراده، فأنت حينئذ تكون قاهرا عليه .. إذًا: هو مبناه على القهر العلوي .. أن تمكر من خلال مكره، وثانيًا: مبناه على العلم المحيط، ومبناه على العدل ..
انظر .. المكر الإلهي مبني على القهر الإلهي الغالب الذي لا يقهره قاهر، فهو الظاهر ليس فوقه شيء، وقهره محيط بكل خلقه؛ ومبناه على العلم .. أنت تعلم أنه يمكر، ومع شدة مكره -وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ- أنت تمكر به فدل على إحاطة العلم؛ ومبني على العدل.
فكان مكر الله بهؤلاء من أتم ما يُمدح به فاعله، وهو ربنا سبحانه وتعالى؛ ولكن أنت لا يجوز أن تقول: الله الماكر .. لماذا؟ لأن هذا الفعل لا يُمدح من كل وجه، بخلاف الرحمة .. بخلاف الرأفة التي تمدح من كل وجه ..
ومن هنا قال علمائنا: بأن الأسماء تشتق منها الصفات، بل لا تكون حسنة إلا كونها صفاتًا؛ لكن لا يجوز أن يشتق من الأفعال الإلهية -التي جرت على معنى ما تقدم- أسماء .. لا يجوز، لأنه حينئذٍ يكون فيه معنى الذم ..
الآن .. الضحك .. الله يضحك .. ضحك ربنا عز وجل مبناه على فرحه، ومبناه على رضاه .. مبنى الضحك على فرح ربنا عز وجل .. مبناه على الرضا والقبول؛ ولكن صفة الضحك حين تكون في كل حال تكون مذمومة، والناس يذمون البشر إذا وقع منهم الضحك على كل حال، فهي ليست ممدوحة من كل وجه، ولكنها ممدوحة حين تقع في وقتها وتقع على من يستحقها، ولذلك: لا يجوز أن يسمى ربنا عز وجل بهذا الاسم، وإن كانت هذه الصفة ممدوحةٌ في حق الله عز وجل لأنها حسنة حيث توضع في موضعها ..
ومن هنا قال أهل العلم: لا يشتق من أفعال الله التي ذكرها في القرآن، لا يشتق منها أسماء، لأن الاسم -كما قلنا- هو حسن من كل وجه، والفعل حسن في وجه إذا كان