فهرس الكتاب
وأن يأكل المرء أكل الحمار *** ويرقص في الجمع حتى يقع - وضحك الشيخ -
وقالوا سكرنا بحب الإله *** وهل أسكر القوم إلا القصع (الأكل)
فهؤلاء حين يأتون إلى الرقص، وأنا حضرت في شبابي -باحثًا عما يفعلون، لا تقليدًا لهم ولا مشاركًا إياهم- الكثير من الحضرات، فهم يقومون وتبدأ الأناشيد بالأصوات الجذابة الجميلة .. وفي هذه الأناشيد من الأذواق التي تقترب كثيرًا إلى ملامسة الحالة الجنسية: من الشوق لليلى، ومن السهد، وهم يرمزون ليلى ويقولون: أن المقصود به الله؛ لكن -في الحقيقة- الذهن يسمع كلمة ليلى، وأنه متشوف إليها، وقد غابت عنه ووو الخ، فيهتز البدن ويرقص .. كما هو شأن المرء في تفاعله مع أدوات الموسيقى والطرب والمعازف والغناء .. فيظنون -جهلًا منهم- بأن هذه الحالة الشعورية التي تلامس قلوبهم عند هذه الأفعال، أنها هي الحالة الإيمانية التي تحدث عنها القرآن!!! وهنا يقع هؤلاء في الخطأ الكبير، لعدم تمرسهم ومعرفتهم بأذواق السلف، وعدم معرفتهم بالذوق الإيماني الصحيح المصاحب للطاعة السنية التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك، هم يقولون: نحن نحس .. أنتم تتحدثون عن معارف عقلية!! هكذا يزعمون: أن أهل السنة وأهل الحديث يتحدثون عن معارف عقلية فقط، وليس عن أوجاد وذائقات حقيقية وعملية .. هذا غير صحيح.
فهم يظنون أنهم قد أصابوا المعرفة الإيمانية وأصابوا الذوق الإيماني، من خلال هذا السلوك الصوفي الذي تحدثنا عنه؛ وهذا خطأٌ كبير .. العاقل إذا انتبه عليه فقد أبصر الطريق .. وهذا مزلقٌ كبير.
أنا أتحدث عن معرفة في هذا الباب، لأن هؤلاء يظنون أن هذا الذوق .. وهذا الرقص .. وهذا الوجد .. وهذا الفرح القلبي، لما يمارسونه من أعمال .. من رقص وسماع وطرب وأغاني، وهي بلا شك -يعني: أنا أعترف بأن الأناشيد الصوفية أناشيد رمزية تفرح القلب على معنى الوجد الشهواني .. حين يتحدثون عن الصدود وعن الرغبة في ملاقاة ليلى التي طال انتظارها، فهم يأتون بالأناشيد .. ولو قرأتم تائية ابن الفارض مثلًا، أو قرأتم -مثلًا- أوجاد الشيخ البرعي وهو ذاهب إلى الحج، لوجدتم أشواقًا عجيبة تجعل الأبدان ترقص لها، فإذا صاحبها صوت جميل من أصواتهم التي يملكونها، فإذا صاحب هذه الأصوات