فهرس الكتاب
وطبّقنا عليه هذه القاعدة لوجدناها سهلة وواضحة، والناس في الحقيقة يحتاجون للصناعة القانونيّة حين تغيب العلوم من نفوسهم، ولا يحتاجون لها حين تكون كامنة في فطرهم وأذواقهم، وقد كان من صور تقدّم صياغة العلوم أنّها تحوّلت من شيء فطريّ إلى علم صناعيّ، وفي اللحظة الأولى الفجائية التي تمّ فيها الإبداع لهذه الصياغة كانت هذه النقلة أصيلة كلّ الأصالة ليس للدخن الغريب أيّ دور فيها، وكل قول يقوله أولئك المنهزمون ثقافيًّا في أنّ الأمة استوردت فنّ صياغة العلوم من اليونان وعلى الخصوص من منطق أرسطو هو قول تنقصه الأدلّة، فهذا القانون الفطريّ في التعامل مع الفقه والذي سمّي بعلم أصول الفقه عندما قام الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى بصياغته لم يحتج فيه إلى قانون واحد ولا قاعدة واحدة ولا مصطلح واحد خارج النفس العربيّة المسلمة، بل تعامل معه تعامل الرجل العربي الذي استوعب قانون اللغة وتعامل الرجل المسلم الذي استوعب علوم الشرع من كتاب وسنّة، وبإدراك متميّز لهذه العلوم إلى درجة الوضوح الذي تتمّ به القدرة على الإبانة كتب كتابه «الرسالة» وكان أوّل شيء أدركه في الشريعة هو وحدتها وعودتها كلّها إلى قواعد كلّية مضّطردة.
قال رحمه الله تعالى: «باب كيف البيان؟ والبيان اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول متشعّبة الفروع: فأقلّ ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعّبة أنّها بيان لمن خوطب بها ممّن نزل القرآن بلسانه، متقاربة الاستواء عنده، وإن كان بعضها أشدّ تأكيدًا بيانٍ من بعض، ومختلفة عند من يجهل لسان العرب» .
فهذا النصّ من الإمام الشافعيّ -وهو من هو- ينبيك على القراءة المستوعبة للمتفرّق حيث رأى فيها -دون غيره في درجة الوضوح- أنّها مجتمعة الأصول، متقاربة الاستواء، ودليله لهذا الاجتماع والمقاربة هو القراءة للفروع كافّة أو لنقل أغلب الفروع. وهكذا كان أمر الإمام الفحل الخليل بن أحمد الفراهيدي في حصره النغم الشعريّ في بحوره المعروفة، وهي نفس طريقة الإمام الشافعيّ حين أرجع الفروع المتشعّبة إلى اجتماع واتّحاد فلم يند عنه إلا الشاذ القليل لنغم العرب في شعرهم ورجزهم، وهو نفس طريقة واضع علم النحو -كائنًا من كان؛ علي بن أبي طالب رضي الله عنه أو أبو الأسود الدؤليّ- حين أخرج علومه من حيز الفطرة والإدراك الذوقي إلى حيز العلم الصناعي المعبّر عنه بقانون وقاعدة، وذلك عن طريق إدراكه للفروع المتشعّبة أوّلًا، ودليل هذه الصياغة هي القراءة للفروع وجمع النظير إلى نظيره، وقد تواطأ الناس على تسمية هذا النوع من القراءة بالاستقراء، وهذا الدليل -أعني الاستقراء- هو دليل فطري تواطأ عليه كلّ العقلاء مسلمهم وكافرهم لأنّه من علوم الرياضة والحساب لا ينكره إلاّ من فقد فطرة الله في الميزان والإدراك كما سيأتي.