فهرس الكتاب
ولكن ممّا لا شك فيه أنّ كثيرًا من المتأخّرين قد أدخلوا قواعد صناعية غير عربية وغير شرعيّة على هذه العلوم، وقد عانى علم أصول الفقه من هذه الاختراقات البدعيّة أكثر من غيره، وكان أوّل من أدخل قانون المنطق الأرسطي إلى أصول الفقه هو أبو حامد الغزالي كما في مقدّمة كتابه في الأصول المسمّى بالمستصفى، وقد كان من عناية الأئمّة في كتب الأصول أنّهم حاولوا جهدهم في التفريق بين علوم الشرائع وبين قانون اليونان وخاصّة في التفريق بين القياس الشرعي الملّي الفقهيّ والقياس المنطقيّ الأرسطي اليوناني.
قال أبو الوليد الباجي في كتابه احكام الفصول في أحكام الأصول: «ولولا من يعتني بجهالاتهم -قياس الفلاسفة- من الأغمار والأحداث لنزهنا كتابنا عن ذكر الفلاسفة، ولكن قد نشأ أغمار وأحداث جهال عدلوا عن قراءة الشرائع وأحكام الكتاب والسنّة إلى قراءة الجهالات من المنطق واعتقدوا صحّتها وعوّلوا على متضمّنها دون أن يقرؤوا أقوال خصومهم من أهل الشرائع الذين أحكموا هذا الباب وحقّقوا معانيه ... » .
فصياغة العلوم بطريقة الزمر والقواعد والقوانين هي طريقة علمية لا تقدح في شرعيّتها كونها لم تكن عند أهل هذه العلوم الأوائل، وقبل الخوض في الاستقراء وكلام الناس حوله في كتب أهل العلم فإنّنا ننبّه إلى أنّ الكثير من هذه القواعد لم تحكم صناعتها إحكامًا صحيحًا وخاصّة ما يسمّى عند المناطقة بالحد، وهو التعريف الصناعي لكلّ شيء، فإنّ التعريف الصناعي الذي يقال له الجامع المانع كانت جنايته على العلوم الشرعيّة كبيرة الخطر، وخاصّة عند من اعتبر أنّ الحد هو الطريق الوحيد لإدراك العلوم والتعرّف عليها، وقد فصّل ابن تيميّة رحمه الله تعالى ومن قبله الإمام المازري والإمام أبو الوليد الباجي الردّ على هذه الطريقة في التحصيل والإدراك، ونحن ننبّه على هذا الأمر لإدراكنا أنّ الطريقة النبويّة في التعليم كان الأغلب فيها هو التمثيل أي ما يسمّى التعريف بالمثال وهو أعلى أنواع التعريف وأوضحها وأقربها للمطلوب، وهذا له أهمّية أخرى في الدلالة على المباينة والمفارقة بين مقصود الشارع ومقصود المتكلّمين والمناطقة والفلاسفة، فإنّ مقصود الشارع هو الامتثال والطاعة والانقياد وليس حصول التصوّر والمعرفة فقط، وهؤلاء يعتبرون أن التجريد الذهنيّ هو أمر الخاصّة فيسمّون هذه الطريقة الذهنيّة التجريديّة بالبرهان، ولذلك هم أبعد الناس عن التديّن والتقوى، بخلاف أهل الشرع والإيمان.
ومع شيوع طريقة المناطقة والفلاسفة عند المتأخّرين صار التعظيم للعلوم الذهنيّة التجريديّة وحصل الاحتقار والتقليل لعلوم اليد والممارسة، وبهذه الطريقة تدمّرت الأمة في علمها وإرادتها، أو في توحيد الشرع وتوحيد القدر.