فهرس الكتاب
الدليل العقليّ: هل هو بدعة وضلال؟!
لمّا كان الاستقراء دليل عقليّ، ومن خلاله ننظر إلى كثير من الأحكام والقضايا هل هي حقّ أم باطل، وكانت كلمة العقل في كثير من البيئات المتواضعة في علومها تثير الاستفزاز كما قال ابن تيميّة رحمه الله [1] : «فإنّ من الناس من يذهل عن هذا، فمنهم من يقدح في الدلائل العقليّة مطلقًا لأنّه قد صار في ذهنه أنّها هي الكلام المبتدع» .
فإنّ من الواجب علينا أن نبيّن للشادي الفرقانَ بين العقل الذي يوجب علمًا ويصح حَكَمًا، وبين العقل الذي لا يجوز النظر فيه ولا تصويبه ولا رضاه، وهي مسألة مهمّة في هذا الباب ولذلك لكثرة الزاعمين أنّ العقل يقابل الشرع، أو قول بعضهم عن دليل: إنّه عقليّ، يعني أنّه بدعيّ، وهذا كما سيتبيّن لنا خطأ صريح، لم يعرفه السلف الصالح ولا الأئمة الهداة، ولذلك لم يسمّي السلفُ المبتدعةَ: بـ «العقلانيين» كما فعل المتأخّرون، بل قالوا عنهم: «أهل الأهواء» ، لا هوى واحد بل أهواء متعدّدة، وذلك أنفة من هؤلاء الأئمّة من إطلاق وصف العقل على البدعة والانحراف، لكن لمّا كثر كلام أهل البدع في ردّ السنّة الثابتة والتقريرات الإلهية الواضحة بحجّة مخالفتها لما استقرّ في أذهانهم، وسموا ما استقرّ عندهم بالمعقولات، وزعموا أنّها يقينيّة لا تقبل معارضة، كان أن وُجِدَ من ردّ عليهم بأنّ العقل لا يوجب علمًا ويجب أن يحال إلى الإهمال في البحث عن الحقّ والهدى، وهكذا صار الناس في أذهان البعض فريقين: أهل شرع وسنّة، وأهل بدعة وعقل، فهذا هو منطلق التفريق بين السنّة والعقل.
وممّا يجب التوقّف عنده هنا، (لأنّنا نبحث هذا الموضوع من خلال بيئة نسأل الله الستر والعافية فيها) ، فإنّنا نقول: إن الحلال والحرام والسنّة والبدعة والغيب وما فيه لا يمكن لأحد أن يعرف الصواب فيها إلا بدليل الغيب أي بالوحي أي بالكتاب والسنّة، وهذا نقدّمه وإن كان سيأتي قادمًا في مبحث التفريق بين العقل المقبول والعقل المرذول، إلا أنّنا نقدّمه ليطمئنّ السنّي ويقطع عنه الوساوس، والله الموفّق:
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: «واعلم أنّ أهل الحقّ لا يطعنون في جنس الأدلّة العقليّة، ولا فيما عَلِمَ العقل صحّته، وإنّما يطعنون فيما يدّعي المعارض أنّه يخالف الكتاب والسنّة» [2] .
(2) درء تعارض العقل والنقل، 1/ 194.