فهرس الكتاب
وقال أيضًا: «كون الدليل عقليًّا أو سمعيًّا ليس هو صفة تقتضي مدحًا ولا ذمًّا، ولا صحّة ولا فسادًا، بل ذلك يبيّن الطريق الذي علم به، وهو السمع أو العقل، وإن كان السمع لا بدّ معه من العقل، وكذلك كونه عقليًّا أو نقليًّا، وأمّا كونه شرعيًّا فلا يقابَل بكونه عقليًّا، وإنّما يقابل بكونه بدعيًّا، إذ البدعة تقابل الشِّرعة، وكونه شرعيًّا صفة مدح، وكونه بدعيًّا صفة ذمّ، وما خالف الشريعة فهو باطل، ثمّ الشرعيّ قد يكون سمعيًّا وقد يكون عقليًّا، فإنّ كون الدليل شرعيًّا يراد به كون الشرع أثبته ودلّ عليه، ويراد به كون الشرع أباحه وأذن فيه، فإّذا أُريد بالشرعيّ ما أثبته الشرع، فإمّا أن يكون معلومًا بالعقل، ولكنّ الشرع نبّه عليه ودلّ عليه، فيكون شرعيًّا عقليًّا ... وإمّا أن يكون الدليل الشرعيّ لا يُعلَم إلاّ بمجرّد خبر الصادق، فإنّه إذا أخبر بما لا يعلم إلا بخبره كان ذلك شرعيًّا سمعيًّا، وكثير من أهل الكلام يظنّ أنّ الأدلّة الشرعيّة منحصرة في خبر الصادق فقط، وأنّ الكتاب والسنّة لا يدلاّن إلا من هذا الوجه .. وهذا غلط منهم» [1] .
ما هو العقل المقبول؟
أطلق العلماء على العقل المقبول أسماء متعدّدة تدلّ على معنى واحد سنصير نحوه بعد ذكر بعض أقوالهم:
العقل المقبول سمّاه ابن خلدون في مقدّمته: بالفكر الطبيعي [2] .
يقول رحمه الله تعالى: «فإذا ابتليت بمثل ذلك (أي بالتشغيب والجدال بالشبهات) وعرض لك ارتباك في فهمك أو تشغيب بالشبهات في ذهنك فاطرح ذلك وانتبذ حجب الألفاظ وعوائق الشبهات واترك الأمر الصناعي جملة واخلص إلى فضاء الفكر الطبيعي الذي فُطِرتَ عليه وسرّح نظرك فيه، وفرّغ ذهنك فيه للغوض على مرامك منه» .
فالفكر الطبيعي عنده هو الفطرة الإلهيّة، وهي ربّانية الخلقة حنيفيّة الأصل وهذه هي مصدر الحقّ، ولذلك يقول: جهة الحقّ إنّما تستبين إذا كانت بالطبع (السابق) ولأنّ الذريعة (الوسيلة) لا تكون إلا بالفطرة.
(1) المرجع السابق، 1/ 198 - 200.
(2) ص 247 ج2، تحقيق عبدالواحد وافي.