بيت الله، دابّة الله، فلمّا حدثت هذه البدع المبيرة أفردها العلماء بالذكر تنويهًا لشأنها وإبرازًا لها في مقابل أهل البدع.
دلّ هذا على أنّ ما هو حقّ لله وحده فهو من التوحيد ويجوز أن يُنسب له، فنقول: توحيد العبادة، ويجوز أن نقول توحيد الشرع، ويجوز أن نقول توحيد الطاعة، ويجوز أن نقول توحيد النّسك، ويجوز أن نقول توحيد الولاء والبراء، فإنّ هذه من حقّ الله على العبيد، ويجب عليهم أن لا يصرفوها إلا لله سبحانه وتعالى.
وأنَّ ما لا يفعله إلاّ الله يجوز أن ينسب إلى التوحيد، كتوحيد القدر، وتوحيد الربّ الخالق المتصرّف الوهّاب وتوحيد الأسماء والصفات.
ولو نظر ناظرٌ إلى توحيد العبادة (الألوهيّة والإلهيّة) وأراد تقسيمه بحسب ما يصدر من الموحّد من أفعال فقسّمه بهذا الاعتبار فقال: إنّ الشرع وتألّه الإنسان به له ثلاثة اتّجاهات، فأفعال للإنسان جهة خالقه تسمّى بالنسك وأفعال للإنسان مع الناس باعتبار قسميهم المؤمن والكافر تسمّى الولاء والبراء، وأفعال جهة الأحكام والأفعال والأشياء والمعاني تسمّى التشريع والحكم فسمّاها بالحكم أو التشريع، لصحّ هذا وما كان مخطئًا. فصار عنده توحيد العبادة يقسم إلى: توحيد النسك، وتوحيد الولاء والبراء، وتوحيد الحكم والتشريع. ودليله هو عين دليل ما تقدّم من تقسيم أهل العلم، ومن نفاه فعليه أن ينفي التقاسيم السابقة.
وإنّه لمن الضروري كضرورة استنباط توحيد الأسماء والصفات من توحيد الربوبيّة وإفرادها بالذكر أن نفرد توحيد الحكم والقضاء والتشريع بالذكر لمّا صار من معارك كبرى حول حقّ الله على عبيده في الحكم والتشريع وإنكار أهل العصر له.
ألم يقل علماؤنا: «الإشراك بالله في حكمه كالإشراك بالله في عبادته» كما قال الشنقيطيّ؟ وألم يقل محمّد بن عبد الوهّاب في كتاب التوحيد: «باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحلّ الله أو تحليل ما حرّم الله فقد اتّخذهم أربابًا من دون الله» ، فلماذا يكون هذا التوحيد بدعة؟ وهل البدعة هي الاجتهاد من نفس الغرز الذي اجتهد فيه السلف؟
إنّ قول هؤلاء المخالفين لتوحيد الحاكميّة ووسمه بالبدعة قد رجموا بغير علم، وأفتوا بغير برهان، فلم ينصروا حقًّا ولم يبطلوا باطلًا، بل هم في حقيقة الأمر يسبغون على كفر التشريع وكفر الحكم وكفر القضاء أثوابًا من الباطل ليستروهم بها.