الصفحة 17 من 28

قال ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله:(النوع السابع أن يتسبب إلى قتله بما يقتل غالبا، وذلك على أضرب:

ثم ذكر الأول وهو أن يكره رجلا على قتل آخر فيقتله فيجب القصاص عى المكِره والمكَره جميعا، ثم ذكر الثاني وهو أن يشهد رجلان على رجل بما يوجب قتله فقتل بشهادتهما ثم رجعا واعترفا بتعمد القتل ظلما، وكذبهما في شهادتهما فعليهما القصاص، ثم ذكر الثالث وهو إذا حكم الحاكم على رجل بالقتل عالما بذلك متعمدا فقتله واعترف بذلك وجب القصاص، والكلام فيه كالكلام في الشاهدين)انتهى المقصود [1] .

وبهذا يعلم أنّه إذا جاز للمجاهد أن يتسبب بقتل نفسه بالانغماس في صف العدو وهو لايرجو النجاة، فالحكم لايتغير فيما لو باشر قتل نفسه في صف العدو وبين ظهرانيهم، وذلك بقصد قتل أكبر عدد منهم لا قتل نفسه، وإنما جعل نفسه وسيلة وسببا لذلك فحسب، لافرق بين الصورتين في الحكم الشرعي، لأن التسبب له نفس حكم المباشرة في القصاص، فكذلك له نفس الحكم في مسألتنا هذه إذ لافرق بينهما.

هذا وقد دلت الأدلة، وفتاوى أهل العلم على جواز ما ذكر في القسم الأول بشرط أن يحقق المجاهد مصلحة شرعية كالنكاية في العدو، أو تجرئة المسلمين على أعدائهم، أو إضعاف روح العدو القتالية والحاق الهزيمة النفسية بهم، ونحو ذلك وأنه لا يجوز بغير مصلحة لانه يعرض نفسه للتلف لغير منفعة، والقول في القسم الثاني ينبغي أن يكون كالأول كما بينا في إلحاق التسبب بالمباشرة في الحكم.

وفيما يلي ما يدل على ما ذكر من النقول عن أهل العلم:

1)ذكر الإمام القرطبي عن محمد بن الحسن الشيباني قوله: (لو حمل رجل واحد على ألف من المشركين وهو وحده فلا بأس بذلك إذا كان يطمع في نجاة، أو نكاية في عدو ... وان كان قصده إرهاب العدو، وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه، وان كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز الدين وتوهين الكفر، فهو المقام الشريف الذي مدح الله تعالى المؤمنين بقوله {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} ) [2] .

(1) المغنى 7/ 646.

(2) تفسير القرطبي 2/ 364

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت