الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين, والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وخير خلقه أجمعين سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد ...
فالحياة من حولنا تمتلئ بالمتناقضات وما ينافي الفطرة القويمة والقلوب السليمة, وطغى فيها الجانب السيئ على حياة البشر فأصبحوا كالدواب السائمة، بل تعدوا مرحلة البهيمية إلى ما هو أحط منها فخرجوا عن كل القيم والمبادئ والأخلاقيات سواء منها السماوية العلوية أو الأرضية الوضعية.
لقد تعدى ظلم الإنسان لأخيه الإنسان كل الجرائم التي ارتكبت منذ آدم عليه السلام وحتى عهد قريب جدًا خاصة مع صبغ المسألة بصبغة دينية تلمودية لتصب جام غضبها ووحشيتها على المسلمين - خاصة - والمستضعفين في الأرض - عامة - من مختلف الملل والنحل ولم يسلم أي منتمٍ لأي دين أو عقيدة أو طائفة من البشر من هذا الظلم.
كما لم يسلم منه صغير أو كبير, طفل أو شيخ هرم, طفلة أو امرأة عجوز؛ فلا ذنب لهم ولا جناية إلا أن قدرهم أن يوجدوا في مناطق تزخر بالمعادن أو المصادر الطبيعية كالوقود وغيره, أو أنهم يقفون حجر عثرة في طريق الشره المادي الإنساني الذي لا يعرف حدودًا ولا يتوقف عند قيود أو نظم.
فما بال الطفل في الدول الفقيرة - بسبب حكوماتها الفاسدة والطاغوت - يموت جوعًا ويصاب بالأمراض المزمنة والضعف الشديد والهزال طول حياته - إن لم يمت قبل بلوغ الخامسة كما يحدث غالبًا - لا لجريمة ارتكبها ولا جريرة اقترفها هو أو أحد من والديه أو أقاربه بسبب حرمانه من الغذاء والكساء والدواء, بينما الطفل في الدول المتقدمة الغنية ينعم بالحياة المادية من مأكل ومشرب ومتع ووسائل ترفيه وتعليم وعناية طبية, بل الحيوانات المنزلية والأليفة ينفق عليها عندهم مليارات الدولارات سنويًا!
ولقد استوقفتني بعض الصور المتباينة التي وجدتها في قصاصات الصحف ووسائل الإعلام المرئية؛
الصورة الأولى؛ لطفل فيتنامي يقف بجوار أمه وقد بدت عليه آثار التخلف العقلي والبلاهة, وجحظت عيناه, وتدلت شفتاه, وكانت رأسه متطاولة نتيجة تعرض أمه للأسلحة الكيماوية التي استخدمتها القوات الأمريكية في عدوانها الغاشم ضد القوات الفيتنامية قبل أكثر من ثلاثين عامًا.
وصورة أخرى؛ لأطفال الفلوجة وقد استلقوا على الأرض حيث ذاب منهم اللحم ولم يتبق إلا الملابس، بعد أن قصفتهم القوات الصليبية الأمريكية بقنابل الفوسفور الأبيض الذي يذيب كل شيء يحتوي على ماء, وقنابل MK77 - وهي قنابل نابالم وإن كان لا يكتب عليها ذلك - في العدوان البربري على المدينة الباسلة من قراصنة العصر الحديث.
وكذلك؛ صورة الطفل الليبي الثالث والخمسين الذي قضى نحبه من بين 426 طفلًا، حقنهم الممرضات البلغاريات الصليبيات بفيروس الإيدز ليقتلوهم وينشروه وسط السكان, ثم تقوم الدنيا ولا تقعد عندما حكمت المحكمة الليبية على الممرضات البلغاريات المجرمات والطبيب الفلسطيني المشرف عليهم بالإعدام, وكتب مائة من الفائزين بجائزة نوبل عريضة تطالب بإعادة محاكمتهم، وأن تكون المحاكمة عادلة، لأن الاعترافات جاءت تحت التعذيب, ولم يتم استقدام خبراء أجانب للتحليل والتأكد من صحة الادعاء!
وهكذا صاروا يتدخلون في أخص خصائصنا، ويعدون مناهجنا الدراسية، ويقفون بالمرصاد لأي قرار يطال أحدًا من المرتدين أو المنافقين، كما حدث مع مرزا طاهر حسين الذي حكمت عليه المحكمة الباكستانية بالإعدام لارتكابه جريمة قتل قبل ثمانية عشر عامًا، ثم أمر المرتد العميل رئيس باكستان بالإفراج عنه فقط، لأنه يحمل الجنسية البريطانية بجانب جنسيته الباكستانية، وتم ترحيله إلى بريطانيا ليلحق بأسرته هناك, وقد جاء الإفراج عنه بعد زيارة ولي العهد البريطاني الأمير"تشارلز"لباكستان للتوسط في هذه القضية, ورَبْطِ رئيس الوزراء البريطاني"توني بلير"بين زيارته لباكستان وبين الإفراج عن مرزا قبل قدومه إليها!
ويدخل ضمنها إصدار المحكمة العليا في لاهور أمرًا بترحيل الفتاة مصباح - مولي/12 سنة - لأن أمها"لويز أنِّي فيرلي"نصرانية اسكتلندية، وأباها"سجَّاد أحمد رانا"مسلم باكستاني، لترتد عن دينها، وإن كانت المحكمة الدستورية العليا قد أوقفت تنفيذ القرار وتم التوصل لحل يرضي الطرفين ببقاء البنت مع أبيها مع إتاحة الفرصة لأمها للمجيء لباكستان في أي وقت لرؤيتها على حساب أبيها، إلا أن المضحك في المسألة أن القاضي الذي أصدر حكمه بترحيل"مصباح"قال في حيثيات الحكم؛ إنَّ الفتاة كانت لا تعرف شيئًا عن الحلال والحرام - وكأنَّه يعرفهما - ولم تستطع التفرقة بينهما, ولم تكن تعرف كيف تصلي طبقًا للشريعة الإسلامية!
وفي مقابل تلك الصور المأساوية؛ صورة لأطفال رضع في إحدى الجمهوريات الأوروبية، وقد استلقوا في مهادهم وفي أذني كل واحد منهم سماعتان كبيرتان ليستمعوا إلى موسيقى أشهر الموسيقيين العالميين، لينشأوا نشأة طبيعية ويتمتعوا بالحياة عندما يكبرون.
وكذلك صورة لطفلين صغيرين يكاد اللحم أن يطفح من جسديهما من كثرة ما يأكلان من أطايب الطعام وملذاته, بينما تقول المجرية"بيتي ويليامز"الحائزة على جائزة نوبل للسلام: (هناك 40 ألف طفل يموتون يوميًا من الجوع ونقص التغذية, وفي نفس اليوم الذي قتل فيه ثلاثة آلاف شخص في 11/سبتمبر، مات 35615 طفلًا من ظروف المجاعة في عالمنا، ولكن لم يقل أحد كلمة واحدة!) .
أما بقية المواطنين المستضعفين فإن الدول الاستكبارية الرأسمالية تحرص على الحفاظ على دولهم فقيرة متخلفة، لتستمر في استغلال مصادرها الطبيعية وقواها العاملة رخيصة لتحقيق رفاهية شعوب العالم الغنية مما يظهر بشاعة الأنانية التي يتسم بها العالم الرأسمالي وتغني عن الشرح والتوضيح!
بل إن الأمر تعدى ذلك ووصل إلى حد جريمة التسبب في تعريض الحياة البشرية جمعاء للإبادة, وذلك فقط من أجل الحفاظ على مكاسب الشركات العالمية الكبرى والدول الصناعية بما تسببه من ظاهرة الاحتباس الحراري [1] ، أو نشر الأمراض الوبائية القاتلة مثل الإيدز وغيره مما يهدد بفناء شعوب بأكملها خلال سنوات معدودة في دول جنوب الصحراء والدول الأفريقية والآسيوية, حتى بلغ عدد ضحايا هذا المرض منذ اكتشافه عام 1981 وإلى الآن 25 مليونًا من البشر, كما يموت 5000 شخص يوميًا نتيجة إصابتهم بمرض السل رغم أنه مرض يمكن الوقاية منه وعلاجه في حال الإصابة به.
وتبلغ الخسائر المالية نتيجة الإصابة بمرض السل 1.4 إلى 2.8 مليار دولار سنويًا, ويتوقع أن ينخفض متوسط الدخل القومي في الدول المبتلاة بانتشار مرض الإيدز بنسبة 20% بحلول عام 2020, ولكن الحكومات الفاسدة العميلة التي تنهب ثروات الشعوب تبخل بالإنفاق على القطاع الصحي، فلا يزيد عن 2 أو 3% من الميزانية العامة للدولة, ويبلغ متوسطه 22 دولارًا فقط لكل فرد سنويًا, في حين يبلغ أكثر من 3000 دولار لكل فرد سنويًا في الدول الغنية, كما نقص متوسط عمر الفرد في الدول الأفريقية بمعدل 10 إلى 20 سنة نتيجة الفقر والجوع والمرض - كما تشير إليه الدراسات العلمية في هذا الشأن [2] -
والأدهى من ذلك والأمَرّ؛ هو رفض حاملي لواء"الحرية والسلام والتقدم"في الولايات المتحدة! السماح ببيع الأدوية المعالجة لمرض الإيدز بسعر التكلفة ليستفيد منها أكبر عدد من المصابين به، بحجة تأثر مراكز البحث العلمي التي تعتمد على الأرباح التي تحققها الشركات المنتجة لها في إجراء أبحاثها!
ويذكر أن الشركات الأمريكية وغيرها تقوم بنشر الأمراض والأوبئة في الدول الفقيرة، حتى تضطر لشراء الأدوية المعالجة لها من المصانع الأمريكية, وحتى الأدوية التي ينتجونها وتصدر إلى الدول المتخلفة مثل المضادات الحيوية وغيرها؛ غالبًا ما تكون عديمة الفعالية ولها آثار جانبية خطيرة, ولذلك فهي ممنوعة من التصنيع والتداول في البلدان المتقدمة, ولذا ينتجونها بعيدًا عنها ثم يصدرونها بدون إذن من دولهم!
ونشير إلى أن انتشار الأمراض الجنسية المهلكة وما يستجد من أمراض لم تعرفها البشرية من قبل، كجنون البقر والأنفلونزا بأنواعها والسارس وغيرها؛ إنما هو نتيجة لتحطم القيم والأخلاقيات ونشر الفاحشة والرذيلة عن طريق وسائل الإعلام وأجهزة الاتصالات الحديثة مما حطم النظام الاجتماعي المتماسك عبر آلاف السنين ودمر بنيان الأسرة, وقلل من الممارسات الفطرية السليمة ليحل محلها كل الممارسات الجنسية الشاذة التي يأنف الحيوان القيام بها!
وهذا يسبب سخط الله وغضبه على سكان الأرض فكانت الزلازل والبراكين والفيضانات والجفاف ثم الأمطار الغزيرة المدمرة, والأعاصير وغيرها, مع ظهور الأمراض التي تكلمنا عنها والتي لم تظهر في أسلافنا.
مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعملوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون [3] والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا الزكاة إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوهم من غيرهم وأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا ألقى الله بأسهم بينهم) [4] .
وحتى الكافرون من النصارى وغيرهم اعترفوا بأن ما أحدثه إعصار"كاترينا"من دمار شامل لمدينة أورليانز الأمريكية كان عقوبة إلهية!
ويكفي الإشارة إلى أن ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية السنوية تبلغ حوالي 450 مليار دولار، وهو ما يكفي لسداد جميع ديون الدول الفقيرة لدى البنوك الربوية العالمية، وبالتالي منح هذه الدول الفرصة لتحسين مستوى المعيشة وإزالة الفقر والجهل والمرض أعدى أعداء الإنسان!
والجريمة الأكبر من ذلك كله؛ هي حرمان البشرية من أن تستظل بظل الشريعة الإسلامية، فتنعم بالسعادة الدنيوية من عدالة ومساواة وتكافل اجتماعي وتفاضل على حسب التقوى والعمل الصالح، وليس على كمية المال وأرصدة البنوك وكثرة العبيد!
ناهيك عن فتنة أهل الإيمان في دينهم, وصد غير المسلمين عن الدخول في الإسلام بتشويه حقائقه والإساءة لنبيه صلى الله عليه وسلم وقادته العظام وشرائعه السماوية الربانية السمحة, وتدنيس المساجد والمصاحف وكل ما يمت للإسلام بصلة, والتصدي لكل من يطالب بتحكيم الشريعة وجعلها دستور حياة.
والدفاع عن المرتدين وحمايتهم ومنحهم اللجوء السياسي، كما حدث مع عبد الرحمن الأفغاني المرتد؛ والذي تم إخراجه من أفغانستان في حراسة القوات الصليبية ومنحه اللجوء السياسي لإيطاليا, وقبله لسلمان رشدي ونصر أبي زيد وغيرهم كثير.
فيما يقف دعاة الديمقراطية من أبناء المسلمين مكتوفي الأيدي، لا يملكون من أمرهم ولا أمر غيرهم شيئًا, كما حدث مع وفاء قسطنطين في مصر؛ التي أسلمت ثم أجبرت على العودة لبيت زوجها - القسيس النصراني - وهي تقبع الآن في سجن الكنيسة تقاسي سوء العذاب.
والمضحك المبكي؛ أن هناك من يفرق بين إبادة المسلمين وتدمير دولهم واستعباد شعوبهم بقرارات صادرة عن مجلس الأمن - سيء الذكر - بدعوى أن ذلك تم طبقًا للشرعية الدولية! كما يحدث في أفغانستان, وبين إبادتهم وإعادة دولتهم للقرون الوسطى كما يحدث في العراق، على أساس أن ذلك تم بدون أخذ موافقة"الشرعية الدولية"وقرار من مجلس الأمن المزعوم!
لقد فقد العراق كل شيء, واضطر أكثر من أربعة ملايين إلى الهجرة منذ الحصار الصليبي له ثم الغزو النجس لأراضيه, وبلغ عدد القتلى أكثر من سبعمائة ألف من المدنيين - على أقل تقدير - غالبيتهم العظمى من السنة, وشرِّد أكثر من مليون مواطن منهم, وذلك من أجل مصالح تسعة شياطين يحيطون بشيطان البيت الأبيض عند التخطيط والتنفيذ لهذه المجزرة التي لم تشهد البشرية لها مثيلًا! فماذا يفيد التنديد بعدم شرعية العدوان على العراق وتلك التفرقة السمجة؟! ويكفي ذكر أن 80% من المهاجرين في العالم هم من المسلمين، نتيجة الحروب والمجازر التي ترتكب على أراضيهم.
بل وصل حد الظلم للبشرية جمعاء - مسلمها وكافرها - إلى أن يتعرض ثاني أكبر أنهار كينيا للجفاف، وبالتالي تعريض أراضي مائة ألف مزارع كيني صغير للجفاف، نتيجة سحب مياه النهر وتخزينها في خمس خزانات هائلة تملكها 12 شركة بريطانية لديها مزارع ضخمة تصل مساحتها إلى مئات الهكتارات لإنتاج الزُّهور والخضراوات والفاكهة لتصديرها لبريطانيا وأوروبا وتحقيق أرباح مالية هائلة على حساب حياة الملايين من المواطنين الكينيين!
ولن نذكر ما ارتكبته وترتكبه الولايات المتحدة من جرائم اقتصادية في حق شعوب أمريكا اللاتينية وهم من جلدتها ويدينون بدينها.
من أجل ذلك ونظرًا لاختلال ميزان القوة المادية بين فسطاط الكفر بقيادة أقوى القوى المادية البشرية وحلف الناتو من جهة, وفسطاط العدل والسلام والإيمان، ممثلًا في المسلمين الصادقين والمجاهدين المخلصين الباذلين للغالي والنفيس لحفظ الضرورات الإنسانية البشرية من نفس ودين وعرض و ... كان لابد من إيجاد سلاح يزيل هذا الفارق المهول، ويوجد نوعًا من التوازن بين القوتين، لتَفْضُل قوة العقيدة بعد ذلك.
فكان توفيق الله سبحانه وتعالى للمجاهدين في اللجوء للعمليات الاستشهادية، التي قلبت الموازين في العراق وأفغانستان لصالحهم، وكان لها فعل السحر في نفوس القائمين بها والمكتوين بنارها على حد سواء.
ولذا وصفها القائد الميداني الأفغاني المشهور ملا"داد الله"بـ"القنبلة النووية الإسلامية".
والآن يطالب الكفار - قبل المنافقين والمرتدين - بإيقافها، بحجة مخالفتها لأحكام الشريعة الإسلامية! والقيام بحملة شعواء لتشويه صورة القائمين بها, ودفع ثلة ممن يسمون بـ"علماء المسلمين"للحكم ببطلانها وخلود القائم بها في النار!
ولن نستغرق في الدفاع عن هذه العمليات التي هي من أقرب القربات وأفضل الطاعات لله عز وجل، ولا في بيان أهميتها في المعركة الحالية بين الإسلام والصليبية العالمية, وإنما نذكر فقط؛ أنه لولا الله عز وجل ثم عملية الحادي عشر من سبتمبر الاستشهادية الخالدة وما تلاها من تداعيات, ثم أخواتها في مدريد ولندن وغيرهما, وسيل العمليات الاستشهادية في العراق وأفغانستان التي يقوم بها المجاهدون من شتى بقاع الأرض لكانت العراق الآن والجزيرة العربية وكل دول المسلمين التي تملك مصادر الطاقة والمصادر الطبيعية الأخرى لقمة سائغة لدى الصليبيين والصهيونيين, ولكانت كل مقدسات المسلمين ممتهنة ومدنسة بأقدامهم النجسة.
فالعمليات الاستشهادية أثبتت أن الأمة التي تضحي من أجل دينها وعقيدتها وحريتها وكرامتها لابد أن تكتب لها الحياة, وتعز بين الأمم, ويعز أبناؤها, ويكثر أفرادها وأتباعها.
كما قال أمير المؤمنين الملا محمد عمر حفظه الله في تهنئته للأمة الإسلامية والمجاهدين بالعيد: (إن عيد الأضحى في الحقيقة هو عنوان عقيدة التضحية, وبينما نحتفل بهذا اليوم فإنه على المسلمين تذكر هذه التضحيات التي حفظت الفكر والروح حية، ومثل هذه العقيدة التي ترتكز على التضحيات لا تنتكس أبدًا) .
ولا ينكر إلا ضال مضل أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت سببًا لهداية آلاف البشر من غير المسلمين ودخولهم في الدين, وهم يرون تسعة عشر صقرًا يافعًا يضحون بأنفسهم وينقضون على رموز الاستغلال وامتصاص الدماء والتأله في الأرض, فيحولونها إلى أنقاض على مرأى ومسمع العالم كله! لا لشيء إلا لابتغاء مرضاة الله وحبًا لله ولرسوله ولشريعته ودفاعًا عن دينه وأوليائه! وكذلك عودة عشرات الآلاف من المسلمين لدينهم وكتبهم وقرآنهم بعد أن كانوا قد هجروه ولا يدرون عن تلاوته شيئًا ولا عن أحكامه.
والعدو بما يتترس به من مدرعات وآليات ودروع ذاتية ومواقع حصينة, واندساسه وسط المدنيين المسلمين يصعب - إن لم يكن مستحيلًا - الوصول إليه إلا بما وفق الله المجاهدين للقيام به من عمليات استشهادية مباشرة, أو زرع قنابل ومتفجرات في الطرق والممرات التي يمر منها العدو، فضلًا عن استهداف ثكناته ومعسكراته بالقصف بالمدفعية والصواريخ في حرب عصابات لم يشهد لها التاريخ مثيلًا.
ولذا تبرز أهمية العمليات الاستشهادية التي توقع أكبر عدد من الخسائر في صفوف العدو مقابل تكلفة مادية يسيرة لتجهيز العبوة الناسفة وبطل واحد من أبطال الإسلام أو أكثر قليلًا لتنفيذ الهجوم [5] .
وأما من يقع من المدنيين المسلمين الذين قدَّر الله وجودهم في مكان ووقت تنفيذ العملية؛
فحكمهم حكم الذي يتترس به العدو، ولا يمكن الوصول لقتل العدو إلا بالرماية عليه, فإما أن يُقْتَل المسلم في ذلك مع العدو, وإما أن ينجو - بقدر الله - ولا يصاب بأذى, ولكن لا تعطل مصلحة قتل العدو الصائل الذي يفسد دين المسلمين ودنياهم لأجل ذلك, وإن كان الواجب أيضًا التحفظ عن إصابة العامة ما أمكن.
وأما القاعدون الذين يرون كل مقدسات المسلمين وحرماتهم تنتهك ولا يفعلون شيئًا، ثم يعيبون علينا إيقاع خسائر في المدنيين من جراء العمليات الاستشهادية؛ فنشبههم بمن يطالب الطبيب الجرَّاح باستئصال غدة سرطانية من جسد المريض دون أن يستخدم المبضع حتى لا يصيبه بالألم, أو كمن يطالب المجاهدين بخوض المحيط اللُّجِّي وقطعه سباحة دون أن تبتل ملابسهم!
ونقول لمن يأسون على سمعة الإسلام وسوء معاملة المسلمين الذين يعيشون في الغرب نتيجة جهاد المجاهدين وصمودهم أمام الصليبيين، نقول لهم:
هوِّنوا على أنفسكم, فالذي يبكي من الغربيين على مصائب المسلمين إنما يبكي في الغالب بدموع التماسيح, وبكاؤه في الحقيقة إما للشماتة والتشفي, وإما للضحك على السذج من المسلمين, وإما للتنفيس عما يعتمل في صدورهم تجاه دول الاستكبار العالمي والدول الرأسمالية الغنية أي من أجل مصلحته الشخصية.
ولأن يقال؛ إننا صقور قساة القلوب, أجلاف غلاظ الطباع, ولكننا رجال نعرف كيف ندافع عن أنفسنا وننتقم لحرماتنا ومقدساتنا مهما كلفنا ذلك من الأرواح والأموال، خير من أن يقال؛ إننا حمائم مسالمون طيبون لا نملك حيلة إلا البكاء كما تفعل النساء, وشياه تذبح في كل مكان وأوان! وتنتهك حرماتنا وتنهب ثرواتنا وممتلكاتنا ثم لا نجد حيلة إلا الخروج في مظاهرات حاشدة لا تلبث أن تنفض ونعود لبيوتنا ننام نومة العجزة الجبناء!
فالعالم لا يعرف إلا القوي ولا يعطي أحدًا حقه إلا بالقوة والردع, فلا مكان للنعاج في عالم الذئاب.
وختامًا نقول ...
إن المستهدف من الحملات الصهيونية الصليبية الحالية ليس المسلمون وحدهم - وإن كانوا هم الهدف الأكبر - ولكنها البشرية بكاملها, وبكافة انتماءاتها الدينية ومعتقداتها الروحية طالما كانت مضادة للهيمنة الرأسمالية ومصالح القوى الاستكبارية والدول الصناعية الكبرى, ولذا فإن جهادنا - بإذن الله - سيستمر ما دام الظلم في طغيانه والمسلمون غير آمنين في بلدانهم - وحتى خارجها -! وما لم يتوقف العدو الكافر الحاقد عن التدخل في شئوننا والعبث بمقدساتنا وشريعتنا, وتولية من يفسد علينا ديننا ودنيانا.
وما دام مجال الدعوة للدين الإسلامي العظيم موصدًا في وجوه العلماء الصادقين المخلصين وهناك انتهاك لحرمات المسلمين وإساءة لنبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم؛ فلن نستكين ولن نلين - بإذن الله -؛ مع مسالمة من يسالمنا ومعاداة من يعادينا، امتثالًا لقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
والحمد لله رب العالمين
كتبه؛ محمد سالم عبد الحليم
عن مجلة طلائع خراسان
العدد الثامن، ذو الحجة، 1427 هـ
[1] يشير الخبراء إلى أن تكلفة العالم خلال عقد من الزمان إذا لم يمكن التغلب على مشكلة الانبعاث الحراري قد تصل إلى ما قيمته 3.68 تريليون - مليون مليون - جنيه إسترليني؛ 7.15 تريليون دولار! كما يشير تقرير الخبراء في بريطانيا؛ إلى أن حرارة الكرة الأرضية قد ترتفع بمقدار خمس درجات مئوية خلال قرن، مما سيؤدي إلى وقوع العديد من الفيضانات والجفاف الشديد وقتل أكثر من 200 مليون إنسان! وكاتب التقرير هو رئيس البنك الدولي السابق الاقتصادي الألماني"نيكولاس شتيرن".
[3] "وقع في حديث ابن عمر ما يدل على أن الطاعون ينشأ عن ظهور الفاحشة، أخرجه ابن ماجة والبيهقي بلفظ: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم ... الحديث) ، وفي إسناده خالد بن يزيد بن أبي مالك، وكان من فقهاء الشام لكنه ضعيف, وأخرجه الحاكم من وجه آخر موصولًا بلفظ: (إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله) , وفي حديث بريدة عند الحاكم بسند جيد بلفظ: (ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت) , ولأحمد من حديث عائشة مرفوعًا: (لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا! فإذا فشا فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله بعقاب) ، وسنده حسن، ففي هذه الأحاديث أن الطاعون قد يقع عقوبة بسبب المعصية" [فتح الباري: 10/ 193] .
[4] المستدرك على الصحيحين: 4/ 583.
[5] بلغ عدد العمليات الاستشهادية التي تمت في أفغانستان خلال العام الماضي [2006م] 115 عملية، حسب التقديرات التي نشرت في الصحف الأجنبية، أوقعت عشرات القتلى والجرحى في صفوف القوات الصليبية الصائلة ومئات الأفغان من الجيش الأفغاني العميل وغيرهم من المنافقين والمرتدين، ومنهم كبار المسئولين في إدارة كرزاي والولايات الأفغانية.
في خلال ثلاثة أسابيع [22/شعبان - 15/رمضان] قام المجاهدون من الأنصار التابعين لمجموعة واحدة فقط في ولاية خوست؛ بأربع عمليات استشهادية، أدت إلى قتل العشرات من الجنود الأمريكيين والعملاء المرتدين، بيانها كالتالي: