أليس هذا في الحقيقة ترجيحا لاستمرار الحرب ليهلك آلاف الجند ويتكبد المسلمون مالايحصى من الخسائر المادية والبشرية، أليس هو ترجيحا لهذه المفاسد العظيمة، على عملية استشهادية واحدة يقتل فيها واحد أو عدد قليل من الفدائيين، قد تكون سببا رئيسا لحسم المعارك لصالح المجاهدين، لاسيما في هذه الأيام التي أصبحت فيه العمليات الاستشهادية أشد قدرة على التأثير الواسع والحاسم في سير المعارك.
4)وقال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله: (لان التغرير في النفوس إنما جاز لما فيه من مصلحة إعزاز الدين بالنكاية في المشركين) [1] .
ومعنى قوله (التغرير في النفوس) ؛ الاقتحام بها على موارد الهلكة في سبيل الله تعالى، بغية الإثخان في العدو والانتصار للدين.
5)وقال الإمام الشاطبي رحمه الله: (ماجاء في نصوص الإيثار في قصة أبي طلحة في تتريسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وقوله؛"نحري دون نحرك يا رسول الله"رواه البخاري وغيره، ووقايته له حتى شلت يده، ولم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإيثار النبي صلى الله عليه وسلم غيره في مبادرته للقاء العدو دون الناس ليتقى به فهو إيثار راجع إلى تحمل أعظم المشقات عن الغير، ووجه عموم المصلحة هنا في مبادرته صلى الله عليه وسلم بنفسه ظاهر، لانه كان كالجنة للمسلمين، وفي قصة أبي طلحة أنه كان وقى بنفسه من يعم بقاؤه مصالح الدين وأهله وهو الرسول صلى الله عليه وسلم) [2] .
وما ذكره الإمام الشاطبي هنا استدلال دقيق وغاية التحقيق، لان تعريض أبي طلحة رضي الله عنه نفسه للسهام هو بقصد إتلاف النفس فداء لنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، لان مصلحة بقاء الرسول صلى الله عليه وسلم أرجح من مفسدة قتل أبي طلحة نفسه رضي الله عنه، فدل على جواز أن يعرض الإنسان نفسه للموت المحقق اذا نوى استبقاء أمّة من المسلمين أو من يقوم بالأمة، وبهذا يعلم أنه متى تحققت هذه القاعدة وهي ترجح مصلحة عظيمة في الجهاد يحصل بها استبقاء نفوس العدد الكبير من المسلمين بإلحاق الهزيمة السريعة والحاسمة بالعدو بعملية استشهادية فان ذلك مشروع بل هو داخل في معنى قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} .
6)وقال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فان الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يُقاتلوا، فانه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار،
(1) كتاب قواعد الإحكام 1/ 111
(2) الموافقات 2/ 280