وصححه ابن حزم في المحلى (7/ 294) وذكره الطبري في تاريخه (2/ 33) عن عوف بن الحارث، وهو ابن عفراء، وهكذا في سيرة ابن هشام (3/ 175) .
-ثانيا: وقد روى ابن حزم في المحلى (نفسه) عن أبي إسحاق السبيعي قال: سمعت رجلًا سأل البراء بن عازب: أرأيت لو أن رجلًا حمل على الكتيبة، وهم ألف، ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال البراء: لا، ولكن التهلكة أن يصيب الرجل الذنب فيلقي بيده، ويقول: لا توبة لي. قال: ولم ينكر أبوأيوب الأنصاري، ولا أبوموسى الأشعري أن يحمل الرجل وحده على العسكر الجرار، ويثبت حتى يقتل.
-ثالثا: قصة أبي أيوب في القسطنطينية معروفة مشهورة، وفيها أن رجلًا من المسلمين حمل على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة؟ فقام أبو أيوب. فقال: أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل إنما نزلت فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرًا، دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ماضاع منها فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم الآية ... إلى أخر الحديث. وهو في سنن الترمذي (2898) وقال: حسن صحيح غريب. ورواه أبو داود (2151) .
-رابعا: كما روى أهل السير، وابن المبارك في كتاب الجهاد (1/ 134) قصة البراء بن مالك وإلقاءه نفسه بين المرتدين من بني حنيفة. وفي بعض المصادر كالسير (1/ 196) وغيرها أنه أمر أصحابه أن يحملوه على ترسٍ على أسنة رماحهم، ويلقوه في الحديقة، فاقتحم إليهم، وشد عليهم، وقاتل حتى افتتح باب الحديقة، وجرح يومئذٍ بضعةً وثمانين جرحا، وأقام عليه خالد بن الوليد يومئذٍ شخصًا يداوي جراحه. ونحو هذا في ثقات ابن حبان (2/ 175) و تاريخ الطبري (2/ 281) و غيرهما. وقريب منه قصة البراء رضي الله عنه بتستر.
-خامسا: وروى أحمد عن أبي إسحاق، قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا. لأن الله عز وجل بعث رسول الله صلى عليه وسلم فقال: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} إنما ذاك في النفقة.
-سادسا: وقد جاء في صحيح مسلم رحمه الله من حديث صهيب الطويل المعروف، قول الغلام ـ الذي عجزوا عن قتله ـ للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك، قال: وماهو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني ... الحديث، وفيه أن الملك فعل ما أمره به، فمات الغلام، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام .. الحديث. والحديث في المسند (22805) وغيره. فهذا الغلام قد أرشد الملكَ إلى الطريقة التي يتحقق بها قتله، ثم نفذها الملكُ، وتحقق بها ما رمى إليه الغلام من المصلحة العظيمة العامة من إيمان الناس كلهم بالله بعدما بلغهم خبره، وما أجرى الله له من الكرامة.
-سابعا: وفي حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: (الذين يلقون في الصف الأول فلا يلفتون وجوهم حتى يقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة، ويضحك إليهم ربك، إن ربك إذا ضحك إلى قومٍ فلا حساب عليهم) . رواه ابن أبي شيبة (4/ 569) و الطبراني، وأبو يعلى، وابن المبارك في الجهاد، وأبو نعيم في الحلية، وغيرهم. وقال المنذري: رواته ثقات.