الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فهذا جزءٌ حديثي لأحد الأئمة الفقهاء الزهاد، وهو أبو الفَتْح نَصْرُ بن إبراهيم المقدسي، المتوفى بدمشق سنة (490) ، روى فيه قول الإمام أبي داود - رحمهما الله تعالى - في الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام، ثم رواها بإسناده، وختم الجزء بحكاية ذات عبرة، كما كان يختم كثير من أصحاب الأمالي الحديثية مجالسهم بالحكايات اللطيفة أو الشعر.
وجاء عن أبي داود رواية أخرى في الأحاديث الأربعة، ونُقل عنه قولٌ إنها خمسة [1] .
وقد تكلم غير واحد من الحفاظ عن الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وعدَّدوها، وأفردوها بالتأليف والرواية، ونظموها، وأشهرهم الإمام النووي، الذي جمع أربعين منها بحذف الأسانيد، وهي مشهورة.
فهذا الجزء المسند اللطيف يندرج ضمن تلك الجهود لأولئك الأعلام، رحمهم القدوس السلام.
الكلام على الجزء:
وقع الجزء ضمن المجموع رقم 63 من مجاميع المكتبة العمرية بدمشق، وهو في ثلاث ورقات (178/أ-181/أ) .
وهذه الأحاديث الأربعة التي فيه أظنُّها المقصودةُ في كلام الحافظ السمعاني في معجمه (1/ 999 المنتخب منه) وكذا في التحبير (1/ 400) عندما قال في ترجمة شيخه أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الواحد بن عبد الكريم بن علي السِّمْسار البَزّاز الدمشقي (ت 546) :"سمع الفقيه أبا الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي، سمعتُ منه أربعة أحاديث".
والجزء نسخه الشيخ المحدّث العلاء علي بن حسن قيران السَّكْزي [2] آخر سنة 729، ووقع عنده سهو يسير، ويسّر الله استدراكه عبر مصادر التخريج ولله الحمد، وبمثله استدركتُ غالب ما ذهب بسبب تآكل الزاوية العلوية الداخلية للأوراق.
وعلى النسخة سماعات متعددة إلى القرن الثامن، وقرئ في أماكن، منها الجامع الأموي الكبير بدمشق، وفي القدس، وفي القاهرة، ثم أحييتُ قراءته في الرياض، ثم فاس، ثم قرأناه في المسجد الحرام، فالكويت.
[1] انظر خاتمة بذل المجهود للسخاوي (ص 113 - 117 ت. الجيلاني، ص 102 - 106 ت. العماش) .
[2] قال الذهبي في المعجم المختص (168) :"علي بن قيران السكزي، المحدث أبو الحسن العلوجي الدمشقي الجندي الصوفي، نزيل القاهرة، سمع الكثير في الكهولة، وأخذ عن جماعة من أصحاب ابن الزبيدي، وحدَّث، ونسخ قليلا، من أبناء الثمانين، سمع معي، توفي سنة نيف وأربعين وسبع مائة".
وترجمه الصفدي في أعيان العصر (3/ 474) وفي الوافي بالوفيات (21/ 261) ، وذكر أن مولده سنة 658، ووفاته في رمضان سنة 744، وقال إنه كان يكتب السماعات، وكان مخلًّا.
وخالفه ابن رافع بزيادة علم؛ فصرَّح في الوفيات (391) أنه توفي في العشر الأول من ذي القعدة بالمارستان المنصوري بالقاهرة، وقال إنه كتب كثيرًا من الأجزاء.