قال الذهبي في تاريخ الإسلام (10/ 654 - 656) :"نَصْرُ بنُ إبراهيم بنِ نَصْر بنِ إبراهيم بنِ داود، الفقيه، أبو الفتح المَقْدِسيُّ النّابُلُسيُّ الشّافعيّ، الزّاهد، شيخ الشّافعيّة بالشّام، وصاحب التّصانيف."
سمع بدمشق من عبد الرحمن بن الطُّبَيْز، وعلي ابن السِّمْسار، ومحمد بن عَوْف المُزَنيّ، وابن سَلْوان، وأبي عليّ الأهوازيّ، وسمع أيضًا من محمد بن جعفر المِيماسيّ بغزة؛ ومن هبة الله بن سليمان بآمِد؛ ومن سُلَيْم بن أيْوب بصور، وعليه تفقّه، وسمع من خلقٍ كثير، حتْى سمع ممّن هو أصغر منه، وأملى مجالس؛ قد وقع لنا بعضُها [3] .
روى عنه من شيوخه:
أبو بكر الخطيب، وأبو القاسم النَّسيب، وأبو الفضل يحيى بن عليّ، وجمال الإسلام أبو الحسن السُّلَميّ، وأبو الفتح نصر الله المِصّيصيّ، وعليّ بن أحمد بن مقاتل، وحسّان بن تَميم الزّيّات، وأبو يَعْلَى حمزة ابن الحُبُوبيّ، وخلْقٌ كثير.
وسكن القدس مدّةً طويلة، ثمّ قدم دمشق سنة ثمانين وأربعمائة، فأقام بها يدرِّس ويُفْتي، إلى أن مات بها.
نقل صاحب تاريخ دمشق أنّ السّلطان تاج الدّولة تُتُش زار الفقيهَ نَصرًا، فلم يقُمْ له، ولا التفت إليه، وكذا ولده دُقَاق، وسأله دُقَاق: أيُّ الأموال أَحَلُّ؟ فقال: مالُ الْجَوَالي [4] ، فبعث إليه بمبلغٍ، فلم يقبلْه، وقال: لا حاجةَ بنا إليه. فلمّا راح الرّسول لامَهُ نَصْرُ المِصّيصيّ وقال: قد عَلِمْتَ حاجتنا إليه! فقال له: لا تجزعْ، فسوف يأتيك من الدّنيا ما يكفيك فيما بعد. فكان كما تفرَّس فيه، حكاها غَيث الأَرْمَنازيّ، وقال: سمعته يقول: درستُ على سُلَيْم أربع سِنين، فسألتُهُ في كم كتبتَ تعليقة سُليم؟ فقال: في ثلاثمائة جزء؛ وما كتبت منها شيئًا إلّا على وضوء.
قلت: وكان إمامًا، علّامة في المذهب، زاهدًا، قانتًا، ورِعًا، كبير الشّأن.
قال الحافظ ابن عساكر:
لم يقبل من أحدٍ صِلَةً بدمشق، بل كان يقتات من غلةٍ تُحْمَل إليه من أرضٍ بنابُلُس ملْكه، فيُخْبزُ له كلّ ليلة قَرْصةٌ في جانب الكانون. حكى لي ناصر النّجّار - وكان يخدمه - أشياء عجيبة من زُهْده وتقلُّله، وترْكه تناول الشّهوات. وكان رحمه الله، على طريقةٍ واحدةٍ من الزُّهْد والتَّنزُّه عن الدَّنايا والتَّقَشُّف، وحكى لي بعض أهل العِلْم قال: صَحِبْتُ إمام الحَرَمَيْن بخُراسان، وأبا إسحاق الشّيرازيّ ببغداد، فكانت طريقتُه عندي أفضل من طريقة إمام الحَرَمَيْن، ثمّ قدِمْتُ الشّامَ، فرأيت الفقيه أبا الفتح، فكانت طريقتُه أحسن من طريقتيهما.
قال غيره: كان الفقيه نصر يعرف بابن أبي حائط.
ومن تصانيفه: كتابَ"الحُجّة على تارك المَحَجّة"، وهو مشهورٌ مَرْوِيٌّ، وكتاب"الانتخاب الدِّمَشْقيّ"وهو كبير في بضعة عشر مجلّدًا، وكتاب"التّهذيب في المذهب"في عشر مجلّدات، وكتاب"الكافي"مجلَّد، ليس فيه قولين ولا وجهين [5] .
وعاش أكثر من ثمانين سنة. ولمّا قدِم الغَزَاليُّ دمشقَ جالَسَ الفقيهَ نَصْرًا، وأخذ عنه، وتفقّه به جماعة بدمشق.
تُوُفّي يوم عاشوراء، ودُفِن بمقبرة باب الصَّغير، وقبره ظاهر يُزار، رحمه الله، وقال ابن عساكر: قال من حَضر جنازة الفقيه نصر: خرجنا بها، فلم يُمكِنّا دفْنُه إلى قريب المغرب، لأنّ الخلْق حالوا بيننا وبينه، ولم نَرَ جنازةً مثلها، أقمنا على قبره سبع ليالٍ". انتهى النقل والترجمة، وتتمة النقل عند ابن عساكر (62/ 18) :"نقرأ كل ليلة عشرين ختمة" [6] ."
وقال الذهبي في السير (19/ 142) :"حكى الفقيه نَصر [يعني المِصّيصي] عن شيخه نَصْر أنه قبل موته بلحظة سَمِعَه وهو يقول: يا سيدي أَمْهِلوني، أنا مأمورٌ وأنتم مأمورون. ثم سمعتُ المؤذن بالعصر، فقلت: يا سيدي المؤذن يؤذن."
فقال: أَجْلِسْني. فأجلستُه، فأحرم بالصلاة، ووضع يده على الأخرى وصلى، ثم توفي من ساعته رحمه الله"."
• ومن مصادر ترجمته: تاريخ دمشق (62/ 15) ، ومعجم أصحاب الصدفي (199) ، ومعجم البلدان (5/ 171) ، وسير أعلام النبلاء (19/ 136) ، وطبقات الشافعية للسبكي (5/ 351) .
ومن ثناء أهل العلم عليه:
قال أبو طاهر السِّلفي في معجم السفر (1467) :"سمعت أبا الحسن وَحْشي بن عبد الله بن إبراهيم المقدسي بالثغر يقول: سمعت على أبي الفتح نَصْر بن إبراهيم المقدسي الفقيه ببيت المقدس كثيرًا من الحديث، ولم أر فيمن رأيتُ أكثر اجتهادًا في العلم، ولا أزهد في الدنيا منه، وكان أكثر أوقاته يذهب في النسخ، أو قراءة الفقه عليه، أو رواية حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
وقال (1074) :"سمعت أبا محمد عبدان بن زرين بن محمد الدَّبِيلي المقرئ بدمشق يقول: .. وسمعت صحيح البخاري على نصر بن إبراهيم المقدسي، ولم أر في شيوخي مثله".
قال ابن عساكر (62/ 17) :"سمعت بعض من صحبه يقول: لو كان الفقيه أبو الفتح في السلف لم تقصُر درجتُه عن واحد منهم، لكنهم فاتوه بالسَّبْق، وكانت أوقاته كلها مستغرقة في عمل الخير، إما في نشر علم، وإما في إصلاح عمل".
وقال الذهبي في السير (19/ 136) :"الشيخ، الإمام، العلّامة، القدوة، المحدّث، مفيد الشام، شيخ الإسلام، أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن داود النابلسي، المقدسي، الفقيه، الشافعي، صاحب التصانيف والأمالي".
والثناء عليه كثير، وأكتفي بما سبق.
ومن كلامه وأخباره:
قال السلفي في معجم السفر (1349) : سمعت أبا سعد ناصر بن محمد بن أبي الوفاء الأسفرائيني بقَزْوين يقول: سمعت أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الفقيه بصور يقول:"كم من إنسان هو معي وكأنه في أقصى بلد بالمشرق، وآخر هو هناك وكأنه معي".
وقال ابن عساكر (62/ 17) : قرأت بخط أبي الفرج غيث بن علي: حضرتُ الفقيه نصرًا يومًا وهو يقرأ جزءًا، فجاء في أثناء القراءة قومٌ، وجاء بعدهم صبيٌّ صغير، فلما فرغ الجزء سألوه أن يعيد الفائت، فأعاد لهم، فلما اتصل سماعهم أراد أن يمسك، ثم قال: لا! حتى أعيد فائت هذا الصغير، لأنني أخاف أن أُسأل عنه: لِمَ كان هؤلاء أحق بالإعادة منه؟ وأعاد له [فائته] .
قال: وسمعت الفقيه يقول: درست على الفقيه سُليم من سنة سبع وثلاثين إلى سنة أربعين، ما فاتني منها درس ولا إعادة، ولا وجعتُ إلا يومًا واحدًا وعوفيت.
وقال السِّلَفي في معجم السفر (1430) : سمعت الفقيه أبا القاسم هبة الله بن المحسن المقدسي بالإسكندرية يقول: سألتُ أبا الفتح نصر بن إبراهيم الفقيه بالشام أن يجيز لي، فقال: قد أجزتُ لك، ولكل من وقع بيده جزء من رواياتي فاختار الرواية عني.
وقال الصفدي في الوافي في الوفيات (4/ 226) : قال ابن الجوزي في المرآة: كان بالقدس رجل يقال له هجام يحب الكَرّامية ويُحسن الظنَّ بهم، فنهاه الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي عنهم، فقال: إنما لي ما ظهر منهم. فقال له: ظاهرٌ حَسَنٌ وباطن قبيح. فلما كان بعد ليال رأى هجام في المنام كأنه اجتاز برباطهم، وقد نبت النرجس في حيطانه، فمدَّ يده ليأخذ طاقةً منه، فوجد أصولَه في العَذِرَة، فقَصَّ رؤياه على الفقيه نصر، فقال له: هذا تصديقُ ما قلتُ لك؛ ظاهرهم حسن وباطنهم خبيث!
[3] ذكر الذهبيُّ في السير (19/ 137) أنه أملى مجالس خمسة، ثم انتقدها بعدُ بقوله (ص 140) :"قلت: في مجالسه غلطات، وأحاديث واهية".
قلت: توجد خمسة مجالس له مفرقة في مجاميع العمرية (أرقام 11 و 26 و 79 و 103) ، ومنها مجلس في فضل العلم وغيره، (مجموع 110) وذكره ابن حجر في المعجم المفهرس (91) ، ولعله الذي عزاه له شيخ مشايخنا محمد بن جعفر الكتاني في الرسالة المستطرفة (112) باسم: طرق حديث قبض العلم.
والمقصود بكلام الذهبي: الأجزاء التي وقعت له مروية، وإلا فإحدى مجالسه المشار إليها في العمرية كُتب على غلافها: المجلس الحادي والعشرون بعد المائة من الأمالي، وفي أخرى: المجلس السابع والأربعون بعد الثلاثمائة!
[4] في السير: الجزية.
[5] قال ابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية (1/ 275) :"ومن تصانيفه: التهذيب: قريب من حجم الروضة، وكتاب: التقريب، قريب من هذا الحجم، وكتاب: المقصود له، وهو أحكام مجردة، في جزأين متوسطين، قليل الوجود، وكتاب: الكافي، قريب من حجم التنبيه، وله شرح متوسط على مختصر شيخه سُليم سماه: الإشارة، وكتاب: الحجة على تارك المحجة، وكتاب: الانتخاب الدمشقي، قال النووي: في بضعة عشر مجلدًا. وهو على هيئة تعليق القاضي أبي الطيب، ويحذو حذوه وينقل منه كثيرا".
قلت: وتقدم ذكر أماليه من مصنفاته، ومن مؤلفاته: تحريم نكاح المتعة، يوجد الجزء الثاني منه في العمرية، وقد طُبع.
ومناقب الإمام الشافعي، ذكره الغزالي في الإحياء (1/ 27) ، ونقل منه.
والأربعون، ذكرها ابن العديم في بغية الطلب (2/ 723) ، وأورد منها حديثا وأثرًا، وهي ضمن مجاميع العمرية (رقم 67) .
والحث على قضاء الحوائج، ذكره ابن حجر في المعجم المفهرس (140) .
وكتاب المصباح والداعي إلى الفلاح في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره ابن خير في فهرسته (159) .
ومما ذُكر له في فهارس المخطوطات: حكايات حسان (في الظاهرية) ، ورسالة في نسب النبي صلى الله عليه وسلم وقرابته (في المكتبة الوطنية بالجزائر) ، كما في خزانة التراث.
[6] مع التنبيه أن قراءة الختمات على القبور لم ترد في الشرع، وكلُّ خير في اتباع من سَلَف.