الصفحة 26 من 99

تمهيد ...

لقد كان الاتحاد السوفيتي يملك عقيدة ومنهجًا كما كان أسطورةً عسكرية, ولم يكن من الممكن أن يقضي عليه الحلفُ الغربي, فعلى المستوى العسكري مثل الاتحاد السوفيتي أكبر قوة برية عرفها التاريخ, وعلى المستوى الحضاري دفع بالنظرية الشيوعية, ونظَّر لها, وجعلها عقيدة وديانة انتشرت في نصف العالم, ودان له حكَّامُ المسلمين, وأخضعوا شعوبهم له, وهزم التوجهُ الشيوعي التوجه التحرري الرأسمالي أيما هزيمة, وأدرك المعسكر الغربي أنه لن يوقف هذا المدَّ الشيوعي إلا مدُّ حضاريٌّ متماسكُ البناء, وبالطبع كانوا عاجزين أن يكونوا هم المدَّ الحضاري الذي يواجه الشيوعية, ولم يكن في الأفق سوى الإسلام, فلم يجدوا مناصًا من تحريض أتباعهم من الحكّام على السماح بعودة الجهاد, ففُتح للإسلاميين الباب, إلا أن الدبَّ السوفيتي تعجل وأراد المياه الدافئة ونفط العرب, فسقط الدب السوفيتي في أفغانستان, أفغانستان الإسلام والجهاد, وقاد الجهاد العلماء ومعهم الشعب الأفغاني البطل, الذي ضحى بكل شيء من أجل أن يحكم بالإسلام, وحظيت التجربة بالعالمية الإسلامية, ووفد لأفغانستان فلذات أكباد الأمة, فانتصر الإسلام ونفق الدب السوفيتي, ونفقت معه نظريته وأيدلوجيته, وانفرط نظمه وكل مَن كان يسبّح بحمده إلا قليلًا, تحررت أوروبا الشرقية وأغلب دول أفريقيا, ووسط أسيا وانتشرت فيها الثورات وأصبح الاتحاد السوفيتي أثرًا بعد عين ..

والسؤال الذي يطرح نفسه: لقد حكم الاتحاد السوفيتي نصف العالم بآلة عسكرية مهولة .. ومنهج منظر مرتب! فماذا يملك المعسكر الغربي الليبرالي الإمبريالي؟ ..

والجواب هو: آلة عسكرية مهولة ومنهج (الانانية والإباحية) أشد هشاشة من المنهج الشيوعي, ومهما بلغت الآلة العسكرية من قوة, فلن تحكم العالم أبدًا دون أن يكون لها مد حضاري حقيقي, فلا يمحو المد الحضاري إلا مدٌّ حضاريٌّ أقوى منه, وللتذكير فقد ملك التتار قوة مهولة, ثم هزم امام جحافل المسلمين.

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي انهارت كل توابعه, ومما لاشك فيه, بل من المتيقن أن انهيار النظام الصهيوصليبي الجديد سوف يولد حالتين:

أ- فراغًا سياسيًا غير مسبوق, وسيكون هناك أكثر من بديل تمثله دول العالم القديم التي حكمت العالم في الماضي وقد تبزغ الصين أوالهند كأقطاب تهيمن على سياسات الشعوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت