مما تميز به منهج الشاشي في نظرته القاصدة للسياسة الشرعية أنه يلاحظ عند كل حكم ما يتعلق به من مصالح ومفاسد، وهذا بعينه هو موضوع مقاصد الشرعية التي لا يقدر على الخوض فيها إلا الجهابذة من العلماء أهل الاجتهاد والتبحر في العلم.
وعند التأمل نجد أن مراعاة هذا الأصل لدى القفال الشاشي يرتكز على مبدأين أساسين:
الأول: التعمق في معاني الألفاظ ودلالتها، ملاحظة الحكم والغايات المنوطة بها، جريا على ما اختص به كلام الله تعالى في خطابه بأسمى مراتب البيان، وأوضح مقامات الدلالة حجة بالغه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
فتضمن بذلك أحسن المقاصد المطلوبة في الخطاب من البيان والدلالة الواضحة، حيث جرت معانيه على ما اقتضاه ظاهر ألفاظه، وتطابقت عليها دلائل الكتاب والسنة، وتضافرت عليها أقوال الأئمة.
وتدبر وتعقل الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) } [1] ، وعقل الكلام متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام إنما المقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، كما أن الخطاب المقصود منه دلالة السامع، وإفهامه مراد المتكلم بكلامه، وتثبيت ما في نفسه من المعاني، ودلالته عليها بأقرب الطرق.
الثاني: مراعاة القواعد العامة للكليات الشرعية، ونصوص الكتاب والسنة قد تضمنت كلا من الكليات والجزئيات، الحسية منها والاعتبارية النظرية، بالطرق الجلية منها والخفية.
والكليات: هي قضايا عامة، والمراد بها شمول العلم بثبوت الحكم لكلّ فرد من الأفراد، فهو متضمن لاشتراك الأفراد في الحكم العام، وشموله لها.
(1) سورة يوسف، الآية: 2.