الصفحة 147 من 1182

وهذا المقصود هنا وهو أن كل ما يحتج به في إثبات قدم العالم بل وفي نفي الصفات يلزم صاحبه أعظم مما فر منه حتى يؤول به الأمر إلى أن ينكر الوجود بالكلية أو يعترف ببطلان قوله وببطلان كل ما يدل على قوله وهذا موجود في عامة الدين مما أمر الله به من اعتقاد أو قول أو قصد وعمل ومن ترك شيئا من ذلك إلى غيره خوفا ترك كان في الذي فر إليه أعظم من ذلك المخوف وإن كان رغبة فيما فر إليه كان ما فاته أعظم مما حصل له بل يعاقبون بأعظم من ذلك وقد قال تعالى ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا فأخبر أن المشركين لا يأتون بقياس وأقيستهم من الباطل إلا أتى الله بما هو الحق بكلام وقياس أحسن تفسيرا بحيث يكون بيانه ودلالته للمطلوب أبين وأوضح وأجلى وأقرب إلى الأمور البديهية الجليلة فهذا في جانب الحق

وأما في عقوبة المبطل فإن المبطلين رئيسهم من الجن إبليس وأعظم رؤسائهم في الإنس فرعون وإبليس ترك طاعة الله تعالى وعبادته في السجود لآدم حذرا من نقص مرتبته بفضل آدم عليه فأداه ذلك إلى أن رضي بأن صار بأخس المراتب وباع آخرته بدنيا غيره كأخس القوادين فإنه يهلك نفسه في إغواء بني آدم بتحسين شهوات الغي لهم يتلذذون بالشهوات التي لا يلتذ هو بها ثم إنهم قد يتوبون فيغفر لهم وهو قد خسر وهلك من غير فائدة مع أنه ليس بين كونه تابعا لهؤلاء في إرادتهم الخسيسة وكونه تابعا لربه فيما أراد به من السجود لآدم نسبة في الشرف والرفعة كما في الحديث الذي رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال قال الشيطان وعزتك لأغوين بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسامهم فقال وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لأغفرن لهم ما استغفروني

وهكذا فرعون استكبر أن يعبد رب السموات والأرض خوفا من سقوط رياسته ثم رضي لنفسه أن يعبد آلهة له قد صنعها هو وهكذا تجد كل أهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت