3)من الملفت للانتباه أن خطاب الكثير من الجماعات تنصل من أي اعتبار للرأي العام. فكل جماعة أو حزب أو تنظيم أو حركة، داخل العراق أو خارجه، صار له مكّة خاصة به، وكل من أبدى رأيا مخالفا، في قضايا عربية أو إسلامية أو وطنية، صار يُرجم بالمثل الشهير:"أهل مكة أدرى بشعابها"، وهو المثل الذي بات كالسيف المسلط على كل قول لا يعجب القوم. وهذا مؤشر على وجود أجندات خاصة بكل جماعة بعيدا عن أي اعتبار كان إلا إن كان الرأي يصب في خانة القوم، وإلا ما كانوا مضطرين للهروب إلى الأمام باستعمال عبارة غدت أوهى من بيت العنكبوت خاصة في الزمن الرقمي.
أليس عجيبا فعلا أن يكون من حق الولايات المتحدة وقوى العدوان في العالم وشتى أجهزة الاستخبارات ومئات الآلاف من فرق الموت المزروعة في العراق، أن تعلم بتفاصيل كل شؤون أهل مكة وشعابها، وأن تعيث فيها فسادا وإجراما وقتلا في الليل والنهار، وأن يجري التفاوض معها والاستماع إليها كما لو أنه يحق لها ما لا يحق لغيرها؟ فهل هؤلاء القادمون من شتى أنحاء العالم، ومن أقاصي الأرض هم من أهل مكة؟ بينما الآخرون من خارجها ملبس عليهم؟ ولا يعرفون الواقع؟
4)يقول"أهل الوسط"في"التمايز"أن:"أهل الغلو فيهم أفاضل أبطال ... وأن أكثر خيارهم قد قتل، أما من بقي الآن فكثير منهم يغلب عليه الجهل وسوء الظن والحكم على الناس بلا تثبت وترويج الشائعات والغلو في التكفير والاستهانة بالدماء والحزبية المقيتة". لكن من يستطيع أن يحدد تاريخا زمنيا معقولا يمكن في ضوئه أن نحصر وقت وقوع"المنكرات"كلها خاصة وأن"التمايز"اكتفى بالتوصيف دون أن يفصل أو يحدد وقتا لظهور"الغلو"أو شيوعه؟ ولا شك أن سؤالنا نابع من كون"المنكرات"يسمعها العامة عبر وسائل الإعلام منذ زمن، لكن أي زمن؟ فهل السنوات الثلاثة الأولى هي المقصودة؟ أم السنوات اللاحقة؟ باختصار: متى بدأ الغلو؟
لو أخذنا السنوات الثلاث الأولى سنلاحظ أن كافة الجماعات انهمكت بخوض حرب ضارية ضد قوى الغزو، ولا يعقل أن يكون لدى الجماعات من الوقت ما يفيض عن حاجتها كي تنهمك في التنطع للعامة وكأنهم هدفها، بل أن"التمايز"يتحدث عن أن"أهل الغلو"أحدثوا نكاية عظيمة في العدو ما من أحد بوسعه أن ينكرها، فهل كان لهؤلاء الوقت كي يصيبوا دما حراما عن سبق إصرار؟ أما الجماعات فلم يصدر عنها ما يشير إلى غلو في هذه الفترة بحيث يمكن الركون إليها كمصادر موثوقة. وحتى الجيش الإسلامي، وهو أشد الخصوم، أصدر بيان نعي بالزرقاوي عقب مقتله. وفي هذا السياق سيتبين لنا أن تصريحات د. إبراهيم الشمري عن أن المشكلة لم تكن مع الزرقاوي بل بعده هي أطروحة عير دقيقة البتة، إلا إذا كان يقصد مسألة إعلان الدولة.
فبعد مقتله ببضعة أشهر قليلة جدا بدأت الاتهامات تتصاعد إلى أن أسفرت عن حملة إعلامية منسقة، وواسعة النطاق ضد القاعدة. فكيف يمكن للخلاف أن يظهر بينما الخصومة ابتدأت بحزمة اتهامات حافلة بعيد مقتل الزرقاوي بقليل؟! إن منطق الإجابة ومجريات الحملة تشير إلى أن الاتهامات تتصل بالفترة التي كان الزرقاوي فيها حيا يرزق لأن الغلو وأهله لا يمكن أن يظهرا في فترة قصيرة جدا. فالزرقاوي قضى في 8/ 6/2006، وبيان الجيش الإسلامي الذي دشن الإعلان عن الخصومة صدر في 5/ 4/2007. والسؤال: هل