هذا يعني أن تكون كل الخلافات بين القاعدة وأقرانها وما تبعها من سيل للاتهامات الموجهة ضدها قد وقعت في أقل من سنة؟ أو أن القاعدة فقدت صوابها بعد مقتل الزرقاوي؟ ربما! فـ"التمايز"يرى أن"الأخيار"قد قضى الكثير منهم، وأغلب من بقي من القاعدة هم من"الجهلاء"، وهذا سبب إضافي للجيش كي تستمر الخصومة. لكن إلى أي مدى يمكن لهذا التبرير أن يصمد وسط عاصفة التشويه الإعلامي واختراق المشروع الجهادي والسيل العرمرم من الصحوات؟ وكيف يمكن إقناع العامة بأن ما جرى الحديث عنه لأكثر من عام على تشكيل الجبهة ثم الإعلان عن"المفارقة"هو الحقيقة؟
من جهة أخرى، فإنْ كانت القاعدة من"أهل الغلو"فعلا؛ وأن أخطاءها لعبت الدور الأكبر في فقدان المشروع الجهادي لحاضنته الشعبية؛ وأن الخصوم تداعوا عليها من كل حدب وصوب؛ فهل يعقل ألاّ تترك الحرب الشعواء عليها أثرا في الحد من غلوائها أو تدفعها إلى تعديل سلوكها؟ إننا نطرح هذه التساؤلات في ضوء التضخم العالمي في شعبية القاعدة باعتراف مؤسسة راند، وفي ضوء اتهامات مكرورة، وكأنها لازمة من اللوازم التي لا تفارق القاعدة، وفي ضوء أن الغلو غدا وكأنه صفة بنيوية تنسحب على القاعدة دون سواها، سواء كانت ضعيفة أو قوية. وفي ضوء غياب حقيقة صافية لا لبس فيها، وفي ضوء الغموض الذي يميز كل الخطابات الإعلامية والسياسية والشرعية التي تلازمت مع الشبهات والأجندات أكثر مما عبرت عن حقائق. فلماذا لم يكشف"التمايز"ما ينتظره الملايين من المسلمين واكتفى بالمشهد العائم وسط بحر من التناقضات؟
لا ريب أن توصيفات أهل الوسط"كانت موضع طعن من أقرانهم خاصة وأنها قريبة أو حتى مطابقة لتوصيفات"الأعداء"سواء"القريبين"منهم أو"البعيدين". ولعله من الطريف أن يصف"التمايز"أهل العراق بتوصيف جدير بالتأمل ثم يعرض عنه في التعامل مع"أهل الغلو"حين يقول: " نحن أهل العراق - وللأسف الشديد - معروفون ومنذ القرون الأولى أنه إذا دخل الخبر عندنا شبرًا خرج ذراعًا، هذا في القرون الأولى, أما الآن فيخرج مئة ذراع - ص18". فلماذا لا تكون"الإساءات"و"المنكرات" من قبيل الذراع الذي تحول إلى مائة ذراع؟ أم أن التوصيف الذي وسع أهل العراق لقرون طويلة عجز أن يتسع لما يشاع عن"أهل الغلو"وبـ "التواتر"؟"
بعد انسحاب الجيش من جبهة الجهاد والإصلاح وانزواء الجيش الإسلامي ما الذي ينتظر الساحة الجهادية في العراق؟ وأين سيذهب جيش المجاهدين في ساحة شديدة التعقيد؟
في الحقيقة فإن الجيش لم يقطع شعرة معاوية مع حلفائه رغم الغضب الشديد الذي عبر عنه تجاههم كما ورد في"التمايز". فهو"يربأ"بقادة المجلس عن السكوت على الأخطاء، فينزههم رغم"المنكرات"وشدة التناقضات حول مسألة القيادة، وهو يناشدهم ويدعوهم للعودة! فالجيش فارق حلفائه لأنه يرى أن المفارقة:"لزمت شرعًا ونصحًا، وسدًّا للذريعة، وذبًّا عن سمعة الدين والجهاد ورجاله"، ولأنها تعني بالنسبة له:"تعاونًا على البر والتقوى"، ولأنها:"نوع من الزجر بالهجر بعد أن لم تُجدِ أساليب اللين، ونوع من النصح العلني بعد أن لم تُجدِ"