كل الأساليب الخاصة والخفية، ونوع من النصح العملي بعد أن لم تنفع الأساليب القولية مشافهة وكتابة، ونوع من النصح بالإشهاد العام بعد أن لم يُجدِ الإشهاد الخاص، ونوع من النصح من الخارج بعد أن لم يُجدِ النصح من الداخل ... فإنْ نفع الفراق وعاد الأخوة أفرادًا وجماعات؛ ... فـ ... هل يتبرأ الأخ من أخيه إذا ندم على خطئه أو نهض من عثرته؟"."
إذن الجيش ما زال، بهذا المعنى،"يناصح"، ولعله ينتظر تحقيق أمر ما قد تكشف عنه الأيام. لكن الجيش أيضا يحذر من أنه أبرأ ذمته:"قد أعذرنا إلى الله". وهكذا تبدو مفارقته أقرب إلى القطيعة بنفس القدر الذي يبدو فيه الجيش الإسلامي أقرب إلى الإخوان المسلمين ابتداء من إخوان العراق وانتهاء بالجماعة الأم في مصر. فهذه الوضعية ستوفر له عمقا ملائما لسياساته وتوجهاته التي لا يمكن أن تغطيها أية جهة أفضل من جماعة الإخوان.
أما جيش المجاهدين، وبحكم"الوراثة"، فسيستحوذ على تركة الجيش الإسلامي الذي خسر دعم رموز التيار السروري بسبب سياساته المدمرة في الساحة العراقية والمحرجة لحلفائه. وليس من المستبعد أنه يمهد لتحالفات جديدة مع قوى أخرى لم يذكرها سلبا أو إيجابا كالقوى الوطنية عامة وجبهة الجهاد والتغيير خاصة أو الإعلان عن تشكيل جديد. ومع أنه ثمة خلافات فكرية بين الجيش والجبهة إلا أنه ثمة توافقات فيما يخص سقف المشروع الجهادي. فبعض فصائل الجبهة باتت تتحدث صراحة عن"دولة عدل ومساواة"لا تتجاوز حدود العراق وهو ما لا يختلف عن الجيش في شيء. فإذا ما تغلب الطرفان على العوائق الفكرية بينهما فليس هناك ما يحول بينهما والتوحد.
وفي كل الأحوال فإن"التمايز"بين الجماعات الجهادية سيشتد حدة ووضوحا في الأسابيع القادمة، وبالنسبة لجماعات السلفية الجهادية ستبدو كما لو أنها مدعوة للحسم في قضايا مصيرية على الساحة. فـ"التمايز"وضعها في سلة واحدة. ولا نظن أن الأنصار سيردون على تعليق الجيش المقتضب على"السفر"، فهم قدموا قراءتهم، وألقوا الكرة في الملعب، أما"الدولة"فليس من المتوقع أن ترد على الجيش إلا إذا قررت الدخول في مفاصلة وكشف بعض ما لديها من أوراق بحيث تتكشف الحقائق وتتضح المواقف أكثر. أما لماذا؟ فلأن تيارات السلفية قد تكون، في المستقبل القريب، عرضة لحملات إعلامية جديدة تستهدف هذه المرة ليس فقط تشويهها بل عزلها. ولأنها قد تمتلك الكثير من الأوراق فقد تعمد إلى استخدامها بما في ذلك مفاجأة التوحد إذا ما شعرت أنها تجابه خطرا استئصاليا، وحينها ستختلف موازين القوى جذريا على الساحة.
يبقى القول الثابت أن مشكلة"أهل الغلو"ليست واقعة في"الأخطاء"أو"المنكرات"وما إلى ذلك من التوصيفات بل في وضوح المقالة العقدية بخلاف الجماعات الأخرى أيا كانت عقائدها أو مناهجها. فالسلفية الجهادية تسعى إلى إقامة الحاكمية، بكل ما يترتب عليها من أعباء، عبر خطاب عقدي صريح لا لبس فيه، ولا يحتمل التأويل، ولا هي تحاول إخفاءه. وهو ذاته مصدر غموض"التمايز"خاصة ممن"يزعمون"تبنيهم ذات الخطاب فيما تكتفي السلفية الجهادية بتصنيفهم ضمن"أدعياء السلفية". بل هو الذي يستفز"أهل الوسط"ويحرجهم ويسبب لهم وجع