الصفحة 7 من 17

ثانيا: التناصح وسط العاصفة

في الحقيقة لم يصدر حتى الآن رد رسمي من أية جماعة أو حزب على كتاب"التمايز"مع أن الجميع معني في الرد بما أن أحدا لم يفلت من"التمايز". لكن كيف يبرر الجيش بقاءه في تحالفاته حتى اللحظات الأخيرة من شبه انهيارها؟

يقول"التمايز":"نؤكد أن بقاءنا معهم في المدة السابقة كان صوريًا, لمصالح شرعية معتبرة عندنا كالنصح وغيره ...". أما عن"المفارقة"فوقعت عند الجيش بعد أن:"بانت لنا حقائق خطيرة, وكان بعضها يُقال، لكنها لم تثبت عندنا بوسائل الإثبات الشرعية, فلما ثبتت عندنا استفرغنا الوسع في النصح فلم ينتهوا, وقد بقينا معهم طوال هذه المدة محاولين الإصلاح ظنّا منّا أن نصحنا لهم ونحن معهم في جبهة واحدة أو مجلس واحد أكبر تأثيرًا". أما البقاء الصوري فيرده"التمايز"إلى:"نصيحة كثير من أهل العلم والتجربة"!

لسنا بوارد الرد الشرعي على هذا التبرير للمفارقة، فهو من حق أهل الاختصاص. لكننا نكاد نجزم أنه لو كان لدى الجيش مبررات أقوى مما احتواه"التمايز"لما قصّر في إيرادها. وعليه فلنثبت بعض الملاحظات عساها تفسر بعض المواقف أو تساهم في الكشف عنها:

-إن ما وصفه"التمايز"بـ"الحقائق الخطيرة"هي عينها المنكرات التي صنفناها، في ثلاثة مجموعات من الجزء الأول من المقالة. وبالتأكيد فإن ما خفي أعظم مما ذكر. لكن الغريب هو احتجاج الجيش بعبارة:"لم تثبت عندنا بوسائل الإثبات الشرعية"! فهل يعقل الاحتجاج بمقولة ينفيها"التمايز"نفسه؟ وهل يعقل أن يستمر الجيش في البحث عن"الأدلة اليقينية"للمنكرات بينما يقول عنها في موضع آخر من"التمايز":"أنها لم تعد تحتاج إلى أدلة عند كل عراقي عامي وغير عامي ..."لإثباتها؟

بهذا المعنى من المؤكد أن الجيش انسحب من الجبهة، فقط، بعد أن عرف العامة و"طفت المنكرات على السطح"، وهذا لا يستقيم مع ما تلقاه الجيش من"نصيحة كثير من أهل العلم والتجربة"ولا مع كون الجيش يعج بـ"العلماء وطلبة العلم"إلا إن كانت النصيحة إياها من داخل الجيش نفسه.

-كان بوسع الجيش الانسحاب مبكرا عملا بمبدأ شرعي يقضي بـ"اتقاء الشبهات"لكنه لم يفعل، وفضل النصح رغم أن الحدث العراقي، بالمقارنة مع أحداث عالمية كثيرة وخطيرة جدا، بدا ولمّا يزل حتى الآن يمتاز بسرعة التقلب. فالوضع العراقي ليس هو الوضع الفلسطيني ولا الوضع اللبناني ولا الأفغاني ولا الشيشاني حيث التغيرات في هذه البلدان بطيئة، وقد تستغرق سنوات قبل أن تظهر آثارها. أما في العراق فالأحداث شديدة التسارع ومخيفة جدا، فقد سقطت بغداد فجأة وانقلبت الطوائف على بعضها بلمح البصر وظهر الجهاد فور وقوع الاحتلال؛ فتفاجأت الأمة والأمريكيون والدول والمثقفون والخبراء وأجهزة الأمن والمخابرات حتى أن الزرقاوي قتل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت