الصفحة 12 من 51

والمتفحص للأمر، المقارن بين قصص الحياة اليومية الحاضرة والماضية، يجد أن التأثر بالسوء حاصل بصورة عامة لدى جميع الناس بصورة أعمق، وأن الخير والفعل الجميل في تناقص، بل أن الذي نسبناه للدعاة ما هو إلا بمقدار عشر المعشار منه، وتولدت في الناس غلظة وجفوة وقطيعة رحم ما كان يعرفها الجيل الذي عاصر حياة ما قبل الحرب العالمية الأولى مثلا، يوم كان العرق الأخير للدولة العثمانية ينبض، حتى أصبحنا نرى من عقوق الوالدين والعدوان على الجيران والغش في التعامل والبخل على الضيف والظلم عند المقدرة أشياء كان يتعفف عنها الناس سابقا، أغلب الناس .. وحتى أصبحت الحكايات الحقيقية لمكارم الأخلاق، والتي كانت اعتيادية: ضربا من الرمز والخيال المستبعد تكراره في تقدير من يسمعها، وهذا الوضع كان وما يزال مستمرا في بلاد عديدة، وبداياته تتزامن مع تطبيق مناهج التعليم الحديثة قبل ما معدله ستين سنة، أو أقل أو أكثر قليلا، ومع ما صاحب ذلك من انفتاح على الغرب والشرق، ومع نشوء الصحافة المقلدة للصحافة العالمية التي يسيطر عليها التوجيه اليهودي، بل نجزم أن بلاد النصارى في الغرب، وبلاد البوذية وأمثالها في الشرق، كانت حياتها الماضية لا تخلو من تراحم بين أهلها، وبقايا عفة، وآثار مروءة، هي خالية منها الآن.

إننا لا نريد بهذا الكلام أن نقذف يأسا في قلوب الدعاة، أو نولد إحباطا وشعورا من الأسف أو الزهد بالعمل الإسلامي ونتائجه، ولم نسرد خبر الأمس واليوم من أجل متعة تاريخية أو إثبات حقيقة إحصائية، وإنما أردنا توجيه الغد، وأن يكون لنا في التجربة موعظة.

إن لكلامنا مقاصد خمسة:

الأول: إيراد نمط من التحليل والتسبيب يوسع آفاق تفكير الدعاة إذا أرادوا فهم ظاهرة معينة في الحياة الدعوية، بحيث تتكشف جذور المسألة وجذور المداخلات التي تحيط بها، وضغط المجتمع، وتأثيرات السياسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت