وحق هذا العامل الترجيحي أن يُقدم ويُذكر قبل الأول وقبل ردود الشبهات، فإنما نصول ونجول بتوفيق من الله، وإنما تأخر إشارة إلى حشد الأسباب ثم التفرغ لاستشعار التوكل والاعتماد على الله تعالى، تشبها بصف النبي صلى الله عليه وسلم. صفوف المهاجرين والأنصار يوم بدر، ثم تنحيه جانبا يلح في التضرع والدعاء وطلب النصر الرباني، حتى وقع رداؤه عن منكبه الشريف، وإنما نصل هذا التضرع الأخير بذاك التفويض الأول، فيكون مبتدأ أمرنا وخاتمته: حسن الظن بالله تعالى.
لكنها سنة الحياة أن لا ننال الذي نرجو إلا بالبذل والجهد وتقديم الثمن، ليس بالمجان، وهي التي أدركها الشاعر لما قال:
بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها تنال إلا على جسر من التعب
وكأن المفهوم الساذج يصرفه إلى تعب العضلات والأبدان فقط، وإلى احتمال لحر وبرد، وجوع وعطش، وقطع مفاوز وعبور جبال، وهو كذلك، ولكن فقه الصعود نحو المعالي يجاوزه إلى التأكيد على الخطة المعرفية ذات البعد الحضاري، وأول ذلك ومفتاحه أن ترجع إلى الحروف والسطور والكتاب، فتقرأ، ثم تقرأ، ثم تقرأ، مبتهجا مع تساقط …. الدموع الباسمة !
يشتهر بين الناس تشبيه الأولين لعمل المصلح المتجرد بشمعة، تحرق نفسها، لتضيء للآخرين.
وكان الكاتبون، أصحاب الأقلام، والتدوين، والتأليف، والصحف، يرون أنفسهم أصفى هذه الشمعات، ويظنون شعاعهم أوهج اللمعات، لما في وصف الناس للعلم بالنور من قرينة تصرف تفسير التشبيه إليهم.
وذاك شرف، نعمّا هو، يحق معه لهم ولغيرهم أن يتنافسوا في الانتساب إليه، والسباق إلى التحلي به.
ولكني رأيت من خفي الحكمة ما هو أبرع في وصف الأقلام، ودورها في التوجيه، والبهجة التي تبعثها، فقد أطل ذكي على ساحة الحياة، يتتبع مكامن البسمات بعد أن امتلأت أحزانا، فاكتشفها فقال:
( لم أر باكيا أحسن تبسما من القلم )