ويتوسع الأمر السلمي ومفهوم الوداعة حتى يشكل سلسلة من الذوقيات الرفيعة التي وصفتها في تقريري الميداني المعروف، بل صغتها لأصحابي في قوانين تعاملية ذات حساسية مسرفة في التعفف والدماثة وهضم حقوق النفس في سبيل إرضاء الغير، مع حياء فيه مبالغة، وحرص على التشبه بأصحاب مكارم الأخلاق وتقليد النبلاء، وما زال يتوسع عدد الرهط الذين ارتضوا هذه القوانين، ولكن ما زال هناك من لا يصبر على اللأواء الظاهرية لهذه المسالمة، غير منتبه إلى ما في باطنها وعواقبها من لذائذ روحية حين يرى المسالم نفسه في الأماكن العوالي.
لكن هذا الباب إنما هو إزاء الحقوق الشخصية، أما الظلم السياسي فشأنه مغاير، وإنما شرع الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمثله، وتترجم معاني الإيمان إذا وقع هذا الظلم في صورة رفضه ومنازعته ومقاومته، لأن الظالم إنما سلب حقا إسلاميا عاما، واعتدى على شعيرة من شعائر الله، وقد ندب الله تعالى المؤمنين إلى أن يكونوا أعزة يعلمون الناس الإباء … والشوق إلى الحرية .
إن هذا التفويض، الذي يهب صاحبه السكينة الداخلية وهدوء النفس، إنما يمنح لصاحبه أيضا صورة ظاهرية فيها هيبة، فتكون له مكانة محترمة بين الناس، ويأخذوا بمعاملته على أنه مثال المروءة، حتى ليظل ذكره الحسن بعد مماته زينة لأحفاده.
وتكمله العزة التي تحرك المفوض إلى الإنكار على الظلم السياسي لأن الناس مأسورة إلى صور الشجاعة، وتفتأ تشتاق إلى الحرية، فيكون لها اقتداء بمن يلقنهم إياها ، وتظل تعامله حتى بعد دهور وقرون على أنه رمز ومصدر إلهام وحث.
وتجتمع هاتان النتيجتان لتكوين صورة الجمال الحقيقي في الحياة الإنسانية، والتي اكتشفها عمرو بن معد يكرب فوصفها فقال:
إن الجمال معادن ومناقب أورثن مجدا