ومن فروع هذا التفويض أيضا: قبول المؤمن لوقوع الظلم عليه من آخرين، بلا مقاومة أو انشغال بالرد، وبلا سعي إلى التقاضي ورفع الخصومة لدى المحاكم، أو الشكاية إلى أولي الأمر أو إلى ذي مكانة يستطيع أن يردع الظالم، بل يسكن، ويتعفف، ويرى أن مكانته الإيمانية أعز من أن يتساوى في الظاهر مع ذي العيوب الذي اعتدى عليه، ويرى أن المروءة تدعوه إلى أن يشمخ على الذي يبدي الإسفاف، وأن يترفع عن موقف يقوده إلى رفع صوت أو إثارة فضول الغرباء أو جدل أو لجاج، فيلوذ بالصمت، ويركن إلى معاني التوكل على الله: أنه هو سبحانه الذي سيعوضه خيرا مما سلب منه، إن كان مالا: فسيبارك له من مصدر آخر. أو كان ذما: فسيفتح قلوب الناس لمحبته ويحسن ذكره في الآفاق. أو كان حرمانا من منصب أو رئاسة: فسيهبه نقابة المؤمنين والصدارة في جماعة الخير. وأنا نفسي قد اخترت هذا النوع من التفويض في حياتي فوجدته لذيذا جدا، ووجدت الله كريما معي غاية الكرم، يعوضني الضعف إذا سلبني أحد دراهمي، ويبعث لي من يسمعني ألفاظا جميلة إذا تجاوز علي متجاوز فاستفزني، وهكذا صرت أتأول الخير وحسن العقبى حتى في صغار الأمور اليومية، كأن يأخذ أحد دوري في دخول محل أو ركوب حافلة، مثلا، أو حصول غش من بائع لي، فاستولت علي سجية الاسترسال مع رغبة المنافس أو الطامع، وبقلب بارد مطمئن إلى أن ما هو أحسن إنما هو في انتظاري، في حين أرى غيري يشتاط ويزمجر ويدخل المعارك في مثل ما أستقبله أنا بالتجمل.